“فاطمة الإفريقي” تكتب مقالها الأخير : وطني تظلم فيه الكفاءات ويكرم فيه اللصوص

آخر تحديث : الخميس 29 أغسطس 2019 - 3:59 مساءً

من أجل عيونه التي أرى بها الشمس وشوقا للفرح الذي هجر نظراته، ضجرا من القلق الذي سكن نبضه، خوفا عليه منهم، حبا فيه وفي حياتي منه، سأتوقف عن الكتابة.. لأنني لم أعد قادرة على العيش بأسلاك أجهزة الرصد في أوردتي، وبجاسوس مزروع في صمام قلبي، وبعداد مربوط بأنفاسي، وبحارس على باب الروح يضبطني كل ليلة متلبسة بجريمة الحلم، سأصمت.. لأنهم احتلوا حديقتي السرية وزرعوا بين ورودها ألغاما متفجرة، سانسحب.. لأنهم يخيروني بين الكلام أو بسمة أطفالي، سأخرس لن أكتب بعد اليوم، سأنتحر شنقا بصمتي، وسأقطع شرايين حبري وأتركها تنزف خيباتي لآخر ورق..سأحرق أناملي كي لا تضعف أمام ازرار الحاسوب، سألقح عروقي بجرعات مضاعفة من مصل اللامبلاة، ساتنكر لكلماتي وأمحو عنها بصماتي وأنسبها لمجهول، سأفقأ عيني كي لا ترى عذابات الوطن.. أنا لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، سأكون كما تريدون، مواطنة صامتة هادئة سعيدة راضية، وسأكتفي بالتصفيق الزغردة في زفة المنجزات العظيمة..يويويوووو… أعجبتكم الزغرودة؟ تريدونها بصوت أعلى؟ ام بنفس أطول؟.. أم تريدون ضربا على الدفوف خلف مسيرات النماء؟..أم تفضلون جذبة صوفية بلازمة نعم؟.. ما رأيكم في إلحاقي بديوان المادحين، أو بفرقة النكافات الرسميات؟ هل هناك مناصب شاغرة لمزيد من الأقلام المأجورة؟ ساتطوع بلا أجر لخدمة الاستقرار المالي لثرواتكم وحمايتكم من شجع الشعب.. هل قلت الشعب؟ فليسقط الشعب، فلتسقط الفوضى وعاش النظام.. وصلت الرسالة أيها الحراس المرابضون بمدافعهم الرشاشة خلف أكياس رمل الذكريات والأحلام بجمجمتي..فهمتكم، أيها المفتشون بين ثنايا ضعفي عن أخطاء محتملة، أرفع الراية البيضاء وأعلن هزيمتي، وسانسحب مستسلمة من حلبة المعركة. أطلقوا سراح الرهائن الذين أحيا بحبهم وسأنفذ الاتفاق…سأتبرأ من كلماتي السابقة والآتية والمحتملة والممكنة والمستحيلة.. أتبرأ من صدقي ومن الحقيقة.. لن اقترف بعد اليوم جرم الكتابة عن الوطن والشعب وثورة الشباب.. سأمحو شهر فبراير من مفكرتي، سأصادق الصمت واتخذ من اللامبلاة فلسفتي، سأحرق أجنحة الكلمات كي لا تتسلل في ضميري وتحلق خلف الأسلاك الشائكة.. سأعتزل الكتابة وأتفرغ لمتابعة المسلسلات الرديئة… فأرجو أن تزيلوا فوهات بنادقكم المصوبة نحو عشين لا تلمسوا العصافير البريئة، لاتنسفوا الحلم، ولا تدمروا من أحب… ها أنذا أفي بوعدي، فكونوا رجالا شرفاء وأوقفوا حربكم السرية وانسحبوا من مملكتي.. وقبل أن ترحلوا عني، أغلقوا خلفكم الباب ولا تنسوا أن تطفؤا كاميرات الرصد الموصولة بأوردتي.. اعتراف أخير: كل خميس كنت أكتب المقال الأأخير، وفي كل خميس كنت أسحبه وأستسلم لصيحة ضميري وغواية الكتابة.. هذا الخميس أعترف بضعفي أمام سلاح الرقيب الذي يطل علي من عيون أطفالي، خيرني بين كتابة قصائد المديح أو الصمت.. ففضلت الانتحار صمتا ودفن حلمي بكفن المقال الأخير.

 

2019-08-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات34 تعليق

  • التهامي معيروش

    دمت متألقة ايتها الغيورة على هدا الوطن ودام قلمك كالكلاشنيكوڤ يرعب من لا غيرت له عن هدا الوطن….

  • عبد الصمد مريمي

    مقال مهم على درب النضال والرفض الظلم والاستهتار بارواح المواطنين
    رغم أنني مقتنع بان الشعب مشارك بشكل كبير فيما وصلنا إليه
    أما النخبة بكل أشكالها وأنواعها فحدث ولا حرج
    ولكن السيء في كل ذلك هو أن يطلب من الانسان أن لا ينكر المنكر ويعرف المعروف بل يطلب من الكاتب والمثقف أن يُزَيّن المآسي ويجعلها منجزات او يصيبه الأذى ليس في نفسه بل يتعداه هذه الأشكال من المعاملات التي تدخل فيها الأجهزة على الخط يجب أن نقف صفّا مرصوصا ضدها على الأقل تبقى لنا حرية ويحافظوا على الثروة الى حين
    تحياتي للكاتبة

  • سأمر حميد

    شكرا لك على الكلام الرائع مزيد من العطاء وانصحك ابتسمي كي لا يركب عليك الاكتئاب

  • محمد الصديق

    مقطع جميل جدا

  • Mlarbi

    نحن انتحرنا وتركنا لكم الوطن لعلنا نستطيع أن ندعمه بجرعات زائدة من الدولار والاورو وتطلعنا إلى بناء هذا الوطن ولو من بعيد على حساب احلامنا وسعادتنا وريعان شبابنا ضاع عمرنا في تضفق العملات لكي نشارك في بناء ما حلمنا به وبمرور الأزمان اكتشفنا اننا ندعم ونقوي من يدوس علينا من غير تعليم ولاضمير ولاحتى اخلاق وطن يضيع بين الجاهلين والمحتكرين والمرتشين وسماسرة السوء وطن يسيره الحمقا همهم الوحيد ملء جيوبهم وبنوك اسيادهم والدوس على الشرفاء من الكتاب والصحفيين والمتنورين أصحاب الضمير الحي فبقينا بين وطن لم يغير من حاله شيء وبين غربة قدمت لنا كل شيءإلا الوطن الله غالب على أمره

  • عزيز

    كلمات وعبارات صادقة لكاتبة صحفية وإعلامية متمكنة ومحترفة، تدرف دموعها مدادا تمردا على واقع يعيشه الصحفي الحر والمسؤول بين اكراهات العطاء الأدبي (الكتابة) وسندان الرقابة…
    لا أوافقك الرأي بل واصلي وتحملي وامسحي مدادا بمداد العزة والكرامة والعطاء كلنا فاطمة الافريقي

  • حسن

    ااسلام عليكم اختي الكريمة
    قلت ما يفيض به قلب و نفس و جواريح كل مغربي حر و يحترم نفسه و ا نسانيته. يا ريث و لو غير 15% من المغاربة يفكرون بهذه الطريقة و يمر الى ما هو عملي و محاربة هذه الرداءة و السفالة و هذه الفوضى التي اصبحنا نعيش فيها في كل مناحي الحياة. و اصبحنا نعيش في زمن الروبضة الذي اخبرنا به النبي عليه و على آله ازكى الصلاة و التسليم.

  • خالد

    مقال أكثر من رائع ، أحييك من هنا من بلباو ، أحييك على كتابتك الشعرية ، أتمنى صادقا أن ينسحبوا جميعا ، كفانا ظلما ودكتاثورية ، تحياتي

  • أحمد الدرداكي

    وماذا عساك،أيتها العفيفة المرهقة بالسلوك الفرعوني المسيطر على عالمنا،تقولين لمسرح الحياة الذي ينتظر الفصل الأخير من القصة ما دمت حية؟؟أجل،ستتركين الجسد يعبر عن نفسه في كل الأحوال من خلال سلوك إنساني يرضيك ويرضي كل من يعرفك أو يراك ولو لأول مرة،غير مكترثة بما يعكر صفوة الحياة من حولك. وألتمس المعذرة إن أسأت التصور والتقدير،فهذا ما اقتنعت به لنفسي على الأقل.مع كامل الاحترام والتقدير لأفكارك النيرة.

  • محمد مراكشي بن جعفر

    انها كلمة حق و الله لا يستحيي من الحق، إنها صرخة روح وطنية صادقة أمينة واعية.
    انها شاهدة عصر و نظام سياسي مخزني،
    إنها امرأة حرة،شجاعة،ابية،مقتدرة،و جميلة
    انها قصيدة بلاء بلاد و سياسة وطن ماكرة مهزلة غير عابرة،و “مشخرة” فاخرة مؤلمة، جل جلالها بالذابرة.!!!

  • سعيد

    مافي الهم غير اللي كيفهم

  • عادل أبو العلاء

    شكرا جزيلا لك على كل هذه التوضيحات

  • Rachid tahiri

    لن يهدموا جدار الحقيقة حتى لو شاء الزمن
    ولن يسكتوا صوت الضمير حتى لو انفجر القدر
    فالرغبة حلم وحلم الحقيقة سينتصر
    فلا تسكتي أختاه، فأنت وحدك قدر وهم كلهم قدر

  • یوسف مجدوب

    ما أروعک وما أحلی الکلمات المنبعثة من أعماقک . وأنت تسردین دواعی التواری والانسحاب المشرف ،فإنک تشعلینها لهیبا فی أفٸدة الذین خبروا بحق کیف أقدم حثالة الأرض علی اغتیال الحلم ورهن الغد وبعد الغد لأسیادها .
    مثل هذا الصوت الذی یعزف أجمل ألحان الحزن والحداد لا یلزمه أن یخفت ،مثل هذا الصوت الذی یصنع من المأساة أفراحا یلزم أن یکون لتواقی الحریة نبراسا یضیء لیالیهم الحالکة فی انتظار بزوغ فجر علی وطن یسع الجمیع .
    بورک قلمک سیدتی وستظلین کبیرة فی عیون من یحمل عقله وقلبه بصیص الأمل وبذور الخیر.

  • قاسمي بلال

    انا معجب بكتاباتها وبصياغتها للمقابلات الصحفية مند ان كانت صحفية بالتلفزة الوطنية يعجبني فيها سلاسة اللغة العربية في كلامها وكدلك كتابة مقالاتها.

  • سعيد

    حفظك الله يا حبر قلم جريء صادق

  • عبد القادر اليوسفي

    نعم الأقلام أصناف صنف يصمة ويتألم وصنف يكتب الصمة حكمت وصنف يكتب الصمة نعجة يفترسها الذئب
    ورحمة الله على حنضل اكتفى بربط يديه ويتفرج على اشياء لا يحبها
    ولاكن كيف ما كان الحال وربما كاتبا قال أحب الناس لا يعرفون شخص وهما يحبننى؟؟

  • الزناكي حكيمة

    اتمنى لك التوفيق الأستاذة الفاضلة فاطمة صاحبة الحرف الانيق دمت مبدعة استادتي تحياتي

  • يوسف

    رائع أستاذة فاطمة…
    كلماتك تدفع الاستيقاظ من سباتنا العميق، عل من يهشنا بعصاه كالانعام يدري ان لنا قدرة على الإدراك…
    فعلا اننا نرى… لكن هل نحن مبصرون متبصرون.
    حقا اننا نسمع… لكن هل نحن مصغون ومنصتون.
    طبعا اننا نتكلم… لكن هل صراخنا يصل اذانهم.
    وجب اقتحام الغلاف الذي يلفوننا به.. وجب تحطيم جدار الخوف الوهمي.. وجب علينا أن تخطو إلى الأمام. كفانا من الاختباء وراء اوهام صنعت على مقاسنا لتجعلنا جاثمين مكاننا كما يريدون..
    يتبع…

  • هيبة حدو

    لما تكتب فاطمة الإفريقي مقالها فإن الحرف ينفجر و العبارات تنبثق من قلبها لتنام على الورق.
    تعبير فريد من نوعه، جوهرة الكتابة من بحر الفكر الفريد من نوعه،توصل الفكرة قبل المعنى.
    لا تتركي الكتابة يتيمة ،…و الصراحة مكفية عليها قفة الذل بالإنفاق…

  • Benarejdal fatiha

    Walahi l3adim. Domo3i nsabat min hada lkalam ladi kharja mina l9alb wa wasala ilayhi. Chokran lala fatima li anaki takalmti niyabatan 3ani wa 3an jami3 nas. Tahiyati lhara laki.

  • ها

    كل شيء فيك يزداد سوءا يا وطني 😔

  • محمد لوشاحي

    جلست في مقعدبرهة استريح فنظرت الى السماء وادا السحب مشتت كبيرة وصغيرة ففكرت ان اركب واحدة منها فاابتعد كليا عن هده المعمورة زاهدا منها فطرء طارء ينبئني بااتخاد الفكرة الصائبة سكنى السحاب ولن تحتاج ابدا الى بيت او الى سقف ماء كهرباء ضريبة الدخل ولا اي شئ المهم ركب السحاب فتعالي يافاطمة نركبها فليس هناك رقيبا انا في انتظارك

  • Abdel

    I love the way she writes it is amazingly beautiful but these remain only words , these words please more than make a change in the society!

  • بوليلة رمضان

    رهيب ما تقولهه هذه السيدة انا اقاسمها هذاالشعوور الاليم باحباط انا مثلها اشعر بالانفصام والتمزق واليتم ولدت و ساموت و بلادي هي المكان الوحيد الذي لم و لن يتغير نزار قباني قال :انا يا صديقتي متعبب بعروبتي فهل العروبة لعنة وعقاب امشي علي ورق الخريطة خاءفا و علي الخريطة كلنا اغراب

  • محمد رموز

    فعلا أختي فاطمة أصبحت قلوبنا ملكا لغيرنا واطلعوا على الاسرار والخبايا النفسية والذهنية لم نعد نملك شيئا تبخرت أحلامنا وطموحاتنا ولكن في الأمل في الله عسى أن يبارك في منجزاتنا وأعمالنا في هذا الوطن العزيز

  • بلقاسم فرشيشي

    احلى ما في هذه الخواطر الصادقة هو الوعد بالبقاء على العهد والاستمرار بالكتابة. كل الاطفال اطفالك وكل الرجال اخوانك فلا تخذلي اخوانك.

  • عبد الحميد

    لك الله يا وطني…. لكن اعلموا أن الزمن دوار و سيأتي يوم يستيقظ خلاله الشعب من سباته

  • أحمد يوسفي

    كم أنت رائعة يافاطمة ؛ رائعة روعة اسمك فاطمة..وكيف لا وقد اخترت من الألقاب أوسعها وأشملها..الإفريقي.. لقب تستحقينه بجدارة..لن يستطيعوا ترويضك لأنك إفريقية حرة لأنك فاطمة الإفريقي لن يدجنوك يا نورس الصحافة الحرة….دمت رائعة متألقة مذ عرفتك أيام المجلة الثقافية

  • بومال عبدالرحيم

    جميل جدا ماشاء لله

  • محمد

    فلتحيا الامية ومكر الكاءذين وتنتحر الوطنية فوق مقلاة الانين

  • مصطفى رهداوي

    عشت أبية عصيةواستسلامك شجاعة قوية نابعة من عيون أطفالك ستبقين وتبقى كلماتك تضغضغ وجدان محبيك أيتهاالمرأةالعربية المسلمة.نفتخر بك..

  • كريم

    كنت دائما قدوة و أختا كبرى نرى فيها مستقبلا مشرقا و ماضيا مليئا بالثقافة و اللغة الجريئة و صوتا كبرنا معه و ترعرعنا مع ترانيمه الصباحية في الإذاعة… حسبنا الله ونعم الوكيل

  • وديع

    هل تلقت الكاتبة الملتزمة تهديدا، أم هو شعور بأنه لا فائدة من الكتابة ؟
    هل للموضوع علاقة باعتقال الصحفية هاجر الريسوني ؟
    هل وهل ؟

محمد
%d مدونون معجبون بهذه: