الزعيمة و المستبد

آخر تحديث : الإثنين 6 يوليو 2015 - 4:39 مساءً
الزعيمة و المستبد
نزار جاف

سعى الاعلام الايراني عبر طرق و أساليب متباينة و طوال العقود الثلاثة المنصرمة الى التقليل من شأن المعارضة الايرانية عموما و منظمة مجاهدي خلق خصوصا، وأوحى دائما من خلال تلك الاساليب و ضمن إطار نهج مبرمج ضد المنظمة، بأن تأثيرها في داخل إيران قد إنعدم و تلاشى وهذا الامر قد ورثه و تناقله و يتناقله جيل من الکتاب العرب بصورة ملفتة للنظر، ولکن هل حقا إنتهت منظمة مجاهدي خلق و تلاشى دورها بالفعل کما يقول رجال الدين في طهران؟

منظمة مجاهدي خلق التي تقودها مريم رجوي التي حققت إنتصارات و مکاسب سياسية عديدة للمنظمة على الصعيدين الدولي و الاقليمي و نجحت في کسر و إزالة کل أنواع العراقيل و المعوقات التي وضعتها طهران بفعل(البترودولار)أمامها، وأهم هذه الانتصارات و أکثرها تأثيرا، تجلى في کسب المعرکة القضائية وإخراج المنظمة من قائمة الارهاب الامريکية التي وضعت أساسا فيها في عهد محمد خاتمي ضمن صفقة سياسية مکشوفة لم تحقق أهدافها و الغايات المرجوة منها.

طوال الاعوام الماضية، قادت مريم رجوي، بصفتها کزعيمة ليست للمنظمة فقط وانما أيضا للمعارضة الايرانية المعبرة عن موقف الشعب الايراني، حملة سياسية ضروس ضد رجال الدين في طهران و أبليت بلائا حسنا، وقد أکدت على ثلاثة محاور في خطاباتها و تصريحاتها هي:

ـ ملف حقوق الانسان في إيران و الانتهاکات واسعة النطاق التي تحدث من جانب رجال الدين ولاسيما ضد المرأة الايرانية.

ـ التدخلات الايرانية الاستثنائية في المنطقة وخصوصا في سوريا و العراق و لبنان و اليمن.

ـ الملف النووي الايراني و کافة متعلقاته و خصوصا النوايا المبيتة لطهران و الاسلوب و النهج الامثل لمواجهتها.

هذه الملفات الثلاثة التي تبين قوة تأثيرها على رجال الدين في طهران بشکل واضح، بل وانها”أي هذه الملفات الثلاثة”، کانت بمثابة الحصار المحکم الذي فرضته مريم رجوي عليهم ردا على إدراجهم للمنظمة ضمن قائمة الارهاب، عندما إضطروا لشد الرحال الى جنيف و لوزان والتوقيع على إتفاق جنيف المرحلي في نوفمبر 2013، وإتفاق لوزان او الاتفاق الاطار في أبريل 2015، خصوصا بعدما وجد رجال الدين أنهم محاصرون من أکثر من جهة، ولم يجدوا من منفذ لهم إلا عبر طاولة المفاوضات مع(الشيطان الاکبر)، حيث جاء الزمن الذي يخرج فيه وزير خارجية دولة المستضعفين مع وزير خارجية دول الشيطان الاکبر و الاستکبار

العالمي في نزهة بعدما کان يهدد مؤسس الجمهورية الاسلامية الايرانية الخميني بأنه سيقطع أي يد تمدد من طهران لمصافحة واشنطن!

المشکلة الاکبر من ذلك و التي تشکل هي الاخرى صداعا و أرقا مزمنا لرجال الدين في طهران، أن الرؤى و الانطباعات و الاستنتاجات التي أطلقتها مريم رجوي بشأن الملفات الثلاثة أعلاه، تکتسب أهميتها الاعتبارية من حيث أن طروحاتها تلك تؤخذ بنظر الاعتبار إذ أن التأکيد الدولي على مسألة حقوق الانسان في إيران يأتي من التأکيدات المستمرة لرجوي بشأن الانتهاکات الواسعة لمبادئ حقوق الانسان في إيران و مطؤالبتها بضرورة إحالة ملف حقوق الانسان في إيران الى مجلس الامن الدولي، کما أن تأکيد الدول الکبرى على أهمية ممارسة سياسة الحزم و الصرامة على طهران فيما يتعلق بالمفاوضات النووية، إنما يأتي حصيلة تلك النداءات و المطالبات و التحذيرات المستمرة التي أطلقتها هذا المرأة المقارعة لطهران على الدوام، مثلما أن إفتضاح و إنکشاف التدخلات الايرانية في المنطقة و المآرب و النوايا المشبوهة من ورائها و حالة التصدي التي بدأت تتصاعد ضدها الان و التي أحد أشکالها البارزة عملية”عاصفة الحزم”، انما هي أيضا نتاج لتحذيرات و طروحات لاحصر لها لمريم رجوي.

مريم رجوي، لم تقف في تصديها و مواجهتها الشجاعة مع النظام السياسي القائم في إيران عند تلك الحدود و المستويات التي اوردناها آنفا، وانما تعدتها الى التعرض للبنى و الاسس الفکرية و العقائدية لنظام ولاية الفقيه عندما دأبت على طرح مفهوم”الاسلام الديمقراطي التسامحي”، ورفضها الکامل لأن يکون النهج المبني على القمع و الاستبداد يمثل الاسلام بأي وجه من الوجوه، والملفت للنظر انها وخلال خطابها الذي ألقته في مساء يوم الجمعة3 تموز الجاري بمناسبة حفل إفطار أقامته المقاومة الايرانية في باريس، شرحت و بإيجاز مفيد المبادئ التي يرتکز عليها”الاسلام الديمقراطي التسامحي”، والتي لخصتها في خمسة نقاط جوهرية هي کما جاء على لسانها:

1 اننا نرفض الدين القسري والإجبار الديني، الحكومة الاستبدادية تحت يافطة الاسلام وأحكام شريعة التطرف، وتكفير أصحاب الرأي الآخر سواء كانوا باسم الشيعة أو السنة هي ضد الاسلام والسنة المحمدية السمحاء.

2 من وجهة نظرنا فان جوهر الاسلام هو الحرية؛ التحرر من أي نوع من الإجبار والتعسف والاستغلال.

3 نحن نتبع الاسلام الحقيقي أي الإسلام المتسامح الديمقراطي؛ الاسلام المدافع عن السلطة الشعبية والاسلام المدافع عن المساواة بين المرأة والرجل.

4 نحن نرفض التمييز الديني وندافع عن حقوق اتباع جميع الديانات والمذاهب.

5 اسلامنا هو التآخي بين كل المذاهب. الصراع الديني والفرقة بين الشيعة والسنة هو ما فرضه نظام «ولاية الفقيه» لاستمرار خلافتها اللااسلامية واللاانسانية.

ويبدو أن هذه المرتکزات الخمسة التي أعلنتها رجوي کزعيمة إيرانية ذات قاعدة شعبية، لن يکون من السهل ان يرد عليها رجال الدين ولاسيما شخص الولي الفقيه الخامنئي، مع إن عدم الرد أيضا سيترتب کموقف إنهزامي من جانب النظام، ذلك أن التأمل في الخط و السياق العام للخطاب الذي تلتزم به مريم رجوي و وجهها البشوش الذي تطغي عليه دائما إبتسامة التفاؤل بالنصر، يبرزها أکثر کزعيمة تقود المعارضة و شعبها نحو الحرية و المستقبل، فيما يبدو الولي الفقيه بوجهه المتجهم و خطابه المتشدد الإقصائي کحاکم مستبد قلق و متوجس ريبة من المستقبل ولنا عودة لهذا الموضوع.

2015-07-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد الغازي