أحمد أُوتكو .. قصة تلميذ خرج ولم يعد منذ 40 عاما

آخر تحديث : الجمعة 10 يوليو 2015 - 7:05 مساءً
ميمون أم العيد هسبريس

عندما غادر أحمد أوتكو قريته بأيت يول تُوغازولي ( 6كيلومتر عن بومالن دادس) بعد نهاية عُطلة مدرسية، لم يكن يعرف أنه يُودّع قريته للمرة الأخيرة. التلميذ الذي كان وقتها يُتابع دراسته بما يُسمى في تلك الفترة الرابعة إعدادي، كان يحلم بغد مشرق، يُعيد فيه البسمة لأمه خيرة ووالده علي (الصورة). سيما وأنه الإبن الأكبر، ذاك الذي كانت عائلة أيت أُتكو بتوغازولي ترى فيه مُخلصها من الفقر المدقع. لكن، ليس كل ما يتمناه المرء يُدركهُ.

عاد التلميذ المثابر بشهادة أقرانه ـ وكثير منهم تقلد مناصب في الدولة ـ إلى داخلية ولي العهد بورزازات لمتابعة دراسته بعد عُطلة الدورة الثانية، وتمر الأيام وأحمد أُوتكو لا يعرف أنه سيكون من بين مجهولي المصير الذين لا تعرف عائلتهم هل ابتلعتهم الأرض أم مايزالون أحياء.

نهاية ماي من سنة 1974 كانت داخلية ولي العهد بورزازات تعيش على صفيح ساخن، عندما كان للتلاميذ كلمتهم، خاضوا إحتجاجا يطالبون فيه بتحسين الوجبات والخدمات المقدمة للتلاميذ، وكان أحمد أوتكو المسجل بالإعدادية تحت رقم 508 بالرابعة أربعة من الرؤوس التي تم قطفها تأديبا للتلاميذ المضربين، إذ تم طرده لمدة أسبوع من الداخلية. وبعد انقضاء أسبوع الطرد عاد التلميذ إلى رفاقه من التلاميذ ليواصل دراسته التي أوشكت أن تنتهي.

يوم 6 يونيو 1974 لم يجد زملاء أوتكو زميلهم الذي كان بالأمس يرقد قُربهم في مرقد الداخلية، فقد اختفى فجأة دون تحديد وجهة.

files

والدة أوتكّو.. فقدت بصرها بُكاءً ثم جُنّت وماتت وفي قلبها غصة

عاد كل التلاميذ إلى قراهم خلال العطلة الصيفية كما تعود الطيور إلى أعشاشها، إلا أحمد أوتكّو، فلا أحد يعرف عنه أي شيء، سوى أنه اختفى ذات ليلة، وغير ذلك مُجرد اجتهادات شخصية لا أقل ولا أكثر.

ظل والد التلميذ أحمد أوتكو يراسل الجهات المختصة، يوقع رسائله رفقة زوجته التي كانت تبكي فلذة كبدها إلى أن فقدت بصرها، وعندما لم تعد تُبصر أحست بيأس شديد في عدم امكانية رؤية طفلها الذي تتخيل صورته الآن كيف هو شكله، كيف هي لحيته وشاربه، وهل غزا الشيب رأسه أم ما يزال فاحم السواد. ومنّت نفسها أن تحضنه، وظلت تتمنى ذلك إلى أن فقدت قدراتها العقلية حزنا وكمدا، مع ذلك بقيت تردد إسمه، إلى أن وافتها المنية قبل 4 سنوات دون أن تعرف حقيقة اختفاء طفل ترك قريته في سبيل طلب العلم منذ 40 سنة، لكنه لم يعد.

رحلة بحث دامت 40 سنة

في مراسلة بعث بها علي أوتكو المزداد سنة 1913 إلى رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة (وتتوفر هسبريس على نسخة منها) يقول أوتكو ” بعد أن عاد جميع التلاميذ سألتهم عن أبني ولا جواب. فسافرت نحو ورزازات منتصف يونيو من سنة 1974 قاطعا قرابة 140 كيلومتر، واستفسرت إدارة الثانوية عن ابني فكان الجواب ” إن ابنك من الذين تلقوا عقوبة تأديبية والمحددة في الطرد لمدة أسبوع، لكن بعد استنفاذ العقوبة عاد ولا يزال يمارس نفس السلوكات. والآن اذهب وابحث عنه”.

تسلمت ملابسه وأمتعته عند “م.ش” معلم بالداخلية وقتها، وبدأت رحلة البحث، سألت في المندوبية الإقلمية لوزارة التربية الوطنية بورزازات، وأرشدوني أن أراسل مجموعة من الجهات كعامل الإقليم، وكيل جلالة الملك، الشرطة، الدرك، وفعلت كل ذلك. لكنني نلت معاملة قاسية وصلت حد الشتم والسب والطرد والتهديد بالسجن.

بعد أسبوع طالبني درك ورزازات بإعادة ملابسه التي تسلمتها من رفاقه، وكذلك فعلت، تم تفتيشها بدقة ثم قالوا ” ولد الحرام ماخلاّ أثر “. فطلب مني جمع تلك الملابس والأغراض المبعثرة فرفضت، ولما هددني بالسجن امتثلت وجمعتها.

ومنذ ذلك التاريخ ـ يضيف والد المختفي ـ وأنا أراسل جهات عديدة، منها الديوان الملكي، ديوان الوزير الأول، وزارة العدل، الجمعيات الحقوقية، كل سنة أفعل ذلك منذ 1974.”

files (1)

عائلة أوتكو لم تفقد الأمل..

يحتفظ والد المختفي وإخوته بعشرات المراسلات والأوراق وقصاصات الجرائد التي تؤرخ لمسار بحث دام 40 سنة دون جدوى، ومع ذلك تزال هذه العائلة لم تفقد أمل الحصول على الخبر اليقين في مصير المختفي وفتح تحقيق سيما وأن التلميذ أختُطف من داخل مؤسسة تعلمية. تم فتح ملف لأحمد أوتكو تحت رقم 84 من طرف لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان التي تبنت الملف بحسب إرسالية مؤرخة بـ18 يوليوز 1994.

كما تم فتح ملف تحت رقم 7635 بهيئة الإنصاف والمصالحة بحسب رسالة موقعة من طرف المرحوم ادريس بن زكري مؤرخة بـ10 مارس 2005، (تتوفر هسبريس على نسخة منها) يطلب فيها رئيس الهيئة من أوتكو علي والد المختفي إمداده بالمزيد من المعلومات.

راسل ديوان المظالم يشتكي فيه “عدم انصافه من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة”، فتوصل برسالة من ديوان المظالم بتاريخ 13 يونيو 2009 تخبره ” استنادا للمعطيات المدلى بها فإن الملف من اختصاص المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان “. فعاود السيد أوتكو مراسلة ذات المجلس بتاريخ 5 نونبر 2009.

علي أوتكو، الرجل الذي يبلغ من العمر 101 سنة، يشعر هذه الأيام أنه طوال 40 سنة تتقاذفه الإدارات والمجالس دون أن يُنصفه أحد، ماديا ولا معنويا، ما يزال يطالب من الدولة المغربية تقديم تفسير لاختفاء ولده، تهمته، ومكان رُفاته.

كلمات دليلية ,
2015-07-10
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد الغازي