حوار حصري مع المحامي الرئيسي والمكلف بصفة شخصية في قضية فتاتي انزكان الحسين بكار السباعي

آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليو 2015 - 12:38 صباحًا
حاوره محمد الغازي

لتنوير الرأي العام وتسليط مزيد من الضوء على حيثيات وملابسات ما أصبح يعرف بقضية ” التنانير” أو قضية ” فتاتي إنزكان” انتقلت ماروك نيوز إلى مكتب المحامي الأستاذ الحسين بكار السباعي ، المحامي الرئيسي والمكلف بصفة شخصية في قضية فتاتي انزكان و الناشط الحقوقي والفاعل الجمعوي وأجرت معه الحوار التالي:

كيف تحولت جولة لفتاتين بسوق انزكان إلى قضية مس بالأخلاق العامة يتابعها الرأي العام الوطني والدولي؟

هاتان الفتاتان لاذنب لهما سوى أنهما ارتدتا لباسا قصيرا يدخل في حريتهما الشخصية، مما اعتبره البعض خدشا ومسا لشعوره ، مما دفعهم إلى التجمهر ومهاجمة الفتاتين بعبارات السب والشتم وعبارات نابية خطيرة مست بكرامتهما.

بعد أن تقدمت الفتاتان للاحتماء بأحد المحلات التجارية حضرت الضابطة القضائية في إطار شرطة المداومة وقامت بحمل الفتاتين إلى مركز الشرطة .

إن الحوار الحقوقي الذي أثارته قضية فتاتي انزكان أو ماباث يعرف يقضية التنانير هو حوار حقوقي محض وليس حوارا سياسيا كما تروج له بعض الجهات لأننا كدفاع مكلف بشكل رسمي من السيدتين اللتان تعرضتا للمس بحريتهما الشخصية نعتبر هذا الفعل تراجعا عن الحقوق الدستورية وعن ماحققه المغرب من تأسيس مؤسساتي لحقوق الإنسان وإرساء أسس الديمقراطية الحقة والحق في الاختلاف والحق في الحوار والحق في الحرية الشخصية الفردية والجماعية.

مؤازرتنا أيضا للفتاتين تأتي في هذا السياق وتأتي أيضا في إطار حق كل مواطن في الدفاع وفي إطار قرينة البراءة التي تجعل المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته  بمقتضى حكم قضائي نهائي.

إن ماقام به هؤلاء الأشخاص الذين تجمهروا  ضد فتاتين لاحول ولاقوة لهما على أنهما كانتا ترتديان تنانير قصيرة غير مقبول ، والحال أنها ملابس عادية كما صرحوا  تباع في كل المحلات المغربية .

الفتاتان دخلتا إلى منطقة يعتبرها البعض محافظة إلى حدما مع أننا نرى مظاهر لباس خفيف بانزكان، فلماذا بالضبط التجمهر حول الفتاتين علما أن ما وقع كان قبل أربعة أيام من رمضان.

إن الهيئات الحقوقية طبعا تطالب في إطار إعادة الاعتبار للحقوق الفردية والحقوق الشخصية والدفاع وحماية حقوق الإنسان وأن لاأحد له الحق في تطبيق القانون إلا السلطة العامة ممثلة في أجهزتها وفي القضاء .

أين تتجلى خطورة ما وقع بإنزكان؟

حينما يتدخل بعض المواطنين ارضاء لخواطرهم ولقناعاتهم لتطبيق القانون على مواطنين، فهذا يعتبر مسا خطيرا بهيبة الدولة وبسيادة المؤسسات والقانون .

باعتباري المحامي الرئيسي في القضية إلى جانب الزملاء والهيئات الحقوقية التي ستحضر لمؤازرة قضية نرى أنها ليست تلك القضية التافهة والبسيطة بل نعتبرها الشجرة التي تخفي غابة والغابة هي تلك القوانين الفضفاضة الغامضة التي لامحالة تمس حرية الأفراد اضافة الى ثقافة التطرف والتعصب التي أصبحت تنتشر لدى بعض الفئات الاجتماعية.

انتقدتم كثيرا مقتضيات القانون الجنائي وخاصة الفصل 483 منه، ماهي أهم المؤاخذات التي تسجلونها في هذا الصدد؟

القانون قانون قزمي لايرقى إلى حماية المواطنين والمادة 483 فضفاضة ، إذ نتساءل : ماذا يقصد المشرع بالتعري ؟ باللباس الفاضح” ب “العري” المتعمد ؟ ب “البداءة في الاشارات أو الأفعال”؟  إذنجد تقريرا لعقوبة حول أفعال غير واضحة من شهر إلى سنتين .

إن المشرع لم يستطع حسم معركة إخراج قوانين واضحة، وهو بذلك قد فتح المجال للقضاء للتوسع في تفسير هذا الفصل رغم أن ما استقر عليه الاجتهاد القضائي والفقه القضائي وعمل محكمة النقض أنه لايمكن التوسع في تفسير النصوص القانونية وكل تفسير لها يجب أن يكون لصالح المتهم .

نعتبر القضية محطة حقوقية تاريخية نضالية من اجل الإسراع بإخراج قانون جنائي واضح في إطار النقاش الدائر حول المسودة ونريدها مسودة حقوقية بالدرجة الأولى وليس زجرية بنصوص غامضة تجعل الهوة كبيرة بين القضاء والمواطن .

تحدثتم عن عيوب شكلية وعيوب أخرى تخص موضوع القضية، ماهي أهم هذه العيوب؟

من العيوب الشكلية المحتملة في الملف الاخلالات في محضر الضابطة القضائية: فهل حرر المحضر طبقا لما هو مسطر في قانون المسطرة الجنائية؟ هل أنجز احتراما لمقتضيات المادة 66 التي تحدد شكليات المعاينة وتعطي الحق للمتهم في التزام الصمت وطلب محامي ولو في إطار المساعدة القضائية؟ هل هناك حالة التلبس المنصوص عليها في المادة 56؟ هل تم اشعار عائلة المعني بالأمر قبل وضعهم تحت الحراسة النظرية؟ هل ضابط الشرطة القضائية هو الذي عاين حالة التلبس لأنه لايعتد في إطار المعاينات قانونا إلا بالمعاينات التي ينجزها ضابط الشرطة القضائية، وضباط الشرطة القضائية محددون على سبيل الحصر في قانون المسطرة الجنائية وهم المخولون بالتثبت من حصول الجنح والجنايات ؟ هذه الأسئلة وغيرها ستحدد الاخلالات الشكلية التي سيبسطها الدفاع .

ومن جانب آخر، فإن ضابط الشرطة القضائية لم يعاين الفعل ليكون هناك تلبس، بل تم تقديم  الفتاتين أمامه بعد فترة من وقوع الفعل،  مما سيغني النقاش حول وجود حالة التلبس من عدمه.

أما على مستوى الموضوع فالمناقشة ستركز على الاخلالات التطبيقية لمقتضيات المادة 483 التي يكتسيها الغموض والضبابية والتي يحير القضاء في تطبيقها طبقا للوقائع المعروضة أمامه.

أشرتم إلى أن القضاء مدعو لاصلاح خطأ النيابة العامة في القضية، ماهي مسؤولية النيابة العامة في هذا الملف؟

أولا يجب أن نعلم أن الشرطة القضائية تعمل تحت مراقبة النيابة العامة وأن وكيل الملك ونوابه يعتبرون ضباطا سامين للشرطة القضائية أو مايسمى في المصطلح القانوني السليم رؤساء قضائيين،  ولكن لايمكن لضابط الشرطة القضائية القيام بأي إجراء مسطري دون تعليمات النيابة العامة ودون ربط الاتصال بها قصد تنوير عمله القضائي لأن عمل الضابطة القضائية يأتي بناء على التعليمات التي تتلقاها من وكلاء الملك ونوابهم والوكلاء العامين ونوابهم وحتى من وزير العدل الذي يعتبر ضابطا ساميا للشرطة القضائية ويعتبر كذلك رئيس النيابة العامة في التشريع المغربي مالم يوجد نص قانوني يخالف ذلك .

فالنيابة العامة عليها مراقبة أعمال الشرطة القضائية ، وقد كان هذا ضمن النقاش حول إصلاح منظومة العدالة حيث نتساءل : لماذا لم يتم الحديث عن إصلاح الضابطة القضائية؟ لأن أخطر مرحلة من مراحل المحاكمة الجنائية هي مرحلة البحث التمهيدي الذي تقوم به الضابطة القضائية سواء كانت تابعة للشرطة القضائية الولائية أو للدرك الملكي لكونها مرحلة تترتب عليها تبعات خطيرة للمحاكمة الجنائية وضماناتها ، لذلك يخضع ضباط الشرطة القضائية لمراقبة النيابة العامة ، ولايمكن في هذه الحالة تحميلهم مسؤولية الخطأ لأن ضابط الشرطة القضائية يستشير في اتخاذ أي إجراء مع النيابة العامة التي يبقى لها الحق في إعطاء الأوامر بالحجز والاعتقال والتفتيش والوضع تحت الحراسة النظرية .

واذا قام ضابط الشرطة القضائية بإجراء من تلقاء نفسه فيعتبر اجراؤه اعتقالا تحكميا تترتب عليه سلب حرية شخص وبالتالي تتم متابعة هذا الضابط.

فالنيابة العامة هي التي كان عليها أن تتعامل بحكمة مع هذا الملف على اعتبار ان الفتاتان لاسوابق لهما وان لباسهما يدخل في اطار حريتهما الشخصية فضلا على أن الأصل في الأفعال الإباحة والقضاء سيتدخل لرد الاعتبار  للضحيتين.

سنناقش الملف أمام القضاء مناقشة مستفيضة من حيث العيوب الشكلية المطبقة في المسطرة ومن حيث الموضوع أي مناقشة ما إذا كان القضاء سيعتبر لباس الفتاتين فاضحا من عدمه ومامعنى اللباس الفاضح ومامقاييس ومعايير تحديد اللباس الفاضح ؟ كذلك نناقشه من الناحية القانونية ونقول : كفى من التشريعات و النصوص القانونية الغامضة التي تولد ميتة والتي تجعل الهوة شاسعة بين المواطن والقضاء في وقت يتم فيه رفع شعارات تقريب القضاء من المواطن وشرطة مواطنة وادارة مواطنة، كفى من هذه القوانين التي تفسر  على حسب هوى من يطبقها. ولايمكن أن نحمل المواطن البسيط غموض التشريعات وقصورها.

نريد من القضاء أن يصلح خطأ النيابة العامة في متابعة فتاتين بريئتين لاذنب لهما الا أنهما ارتديا لباسا يدخل في إطار ثقافتهما وحريتهما الفردية، نريد أن يرجع الأمور  الى نصابها .

طبعا لانتدخل في قناعة القاضي الذي يبقى بعيدا عن أي تأثير ، حتى ماجاء على لسان الأحزاب السياسية التي خرجت عن صمتها ونشكرها على أنها حاولت فقط توضيح التوجه الذي أخذه المغرب في حماية والدفاع عن حقوق الانسان كماهي متعارف عليه دوليا، طريق الانفتاح والديمقراطية خاصة أن المغرب هو البلد العربي الاسلامي والأفريقي الوحيد الذي استضاف المنتدى العالمي لحقوق الانسان الذي جمع كل الهيئات الحقوقية بكل مشاربها وتوجهاتها ، ولابد أن نحافظ على هذه المكتسبات التي تحققت بفعل نضال الحركة الحقوقية بالمغرب .

هناك من يدعو  وزير العدل الى التدخل في هذا الملف، هل من حقه؟

وزير العدل في إطار التشريع المغربي يعتبر رئيسا مباشرا للنيابة العامة وهي مستقلة عن قضاء الحكم، فالنيابة العامة  تقوم بالسهر على مسطرة البحث التمهيدي في اطار دفاعها عن المجتمع من كل خلاق قانوني والمحامي يدافع عن مصلحة شخصية في إطار ما يوفره من أدلة اقناع للمحكمة ومناقشة سلامة المسطرة وتطبيق القانون.

النيابة العامة جهة اتهام ومتابعة تعمل تحت إمرة ومراقبة وزير العدل الذي قد يرى أن  تدخله يمس باستقلالية القضاء ، ونحن أيضا من موقعنا كدفاع نرفض أي تأثير على القضاء والمغرب يجرم أي تأثير من هذا القبيل لكون القضاء مؤسسة مستقلة .

لذا فالقضاء هو الوحيد الذي سيرجع الأمور إلى نصابها ويصلح الأخطاء التي سقطت فيها النيابة العامة.

من بين المؤاخذات المسجلة في القضية عدم اعتقال أو الاستماع إلى الأشخاص الذين تجمهروا حول الفتاتين ودخلوا معهما في شجار، مارأيكم في هذه النقطة؟

هذا قصور من ضابط الشرطة القضائية الذي عليه الاستماع في إطار بحثه التمهيدي لكل الأطراف ويكون ملفا وقضية، فالأشخاص الذين تجمهروا ونطقوا بألفاظ  نابية وبذيئة في حق الفتاتين قاموا بالتدخل في اختصاصات السلطة العامة لأنه لايحق لأي كان ان يقوم مقام الدولة في تطبيق القانون.

المسطرة لم تنجز بالشكل المطلوب ويبقى للفتاتين الحق في رفع دعوى التعويض ومتابعة الأشخاص الذين مسوا بحريتهم، وهذا حق مكفول لهم .

على سيبل الختم:

يجب أن نعلم أن المغرب اختار الانفتاح ودولة المؤسسات والديمقراطية وشكل اسثتناء في منطقة عرفت حراكا مجتمعيا رد عليه المغرب بدستور قوي وهو مطالب بتنزيل مقتضياته وتحيين قوانينه لكي لانكون أمام اشكالية عدم دستورية القوانين فتضيع الحقوق  .

فالدولة تسعى للحفاظ على المكتسبات والمواطن ملزم بقبول ثقافة التسامح والديمقراطية والاختلاف.

ولايجب أن ننسى أننا لانعيش بمعزل عما يقع في العالم  من انتشار الفكر الاقصائي والتطرفي، مما يستدعي أن يلعب الكل دوره في الحفاظ على ثقافة التسامح والحفاظ على هذه المكتسبات.

الدين الاسلامي الوسطي ووحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين توحد المغاربة والدولة هي التي لها الحق في نشر الوعي الاسلامي ، فهناك المجالس العلمية والمجلس العلمي الأعلى والإسلام الوسطي في اطار امارة المؤمنين،  والإسلام برمته دين الحوار ودين تحبيب وليس دين ترهيب، دين الحوار  حيث قال تعالى “وشاورهم في الامر ” وقال عز وجل أيضا “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ” .

ونحن إذ ندافع اليوم عن حق الفتاتين في لباسهما يمكن ان ندافع غدا عن الحق المحجبة في حجابها وغيره لأن اللباس حق شخصي .

وندعو المواطنين كي يتعبؤوا في اطار مناقشة مسودة القانون الجنائي لكي لايكون هناك مس بالحقوق والحريات.

وأعتقد أنه علينا طرح السؤال التالي على أنفسنا:  أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمعا متسامحا ، مجتمع الحوار  والحق في الاختلاف،  مجتمع الحقوق والحريات طبعا في اطار ديننا الاسلامي المعتدل الوسطي، الاسلام الحقيقي؟ أم نريد مجتمعا متطرفا سيقودنا على غرار مانراه في المنطقة العربية والإسلامية،  وذلك مالانتمناه لبلدنا .

2015-07-14 2015-07-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد الغازي