في حوار مع الباحث عبد الرحمان خال، يرصد دلالات نتائج استحقاقات 07 أكتوبر

آخر تحديث : الجمعة 14 أكتوبر 2016 - 11:55 مساءً
حاوره محمد وافي

قال عبد الرحمان خال، باحث في العلوم السياسية، إن المسار الديمقراطي بالمغرب مازال في مرحلة استجماع مقومات وجوده وفي طريقه نحو إرساء ثقافة ديمقراطية بالمعنى العميق والشامل للكلمة. وأكد خال، في تصريح لـلموقع، أن المواطن استشعر أهمية محطة 7 أكتوبر لدرجة أنه انخرط بمشاركة جد إيجابية، في ظل الخطاب التيئيسي الذي مافتئت تروجه فئات معروفة بمواقفها من الفاعلين السياسيين. وأشار المتحدث، إلى أنه من مصلحة الأحزاب السياسية التي تضررت من الانتخابات الأخيرة أن تتحلى بالوضوح في آرائها وقراراتها وأهدافها، لا أن يضع الحزب رجلا في الحكومة وأخرى في المعارضة، لأسباب مجهولة، وهذا في نظري نفاق سياسي تابعنا سويا آثاره الفادحة في السابع من أكتوبر 2016، يؤكد خال. وفي ما يلي نص الحوار: ماهي قراءتكم الأولية لما أفرزته محطة 7 أكتوبر؟ أولا لا بد من التذكير بأن انتخابات 7 أكتوبر 2016 ليست الأولى في تاريخ المغرب الحديث، إذ أنه على مستوى الممارسة الانتخابية فإننا نقف على المحطة العاشرة من الانتخابات التشريعية أي منذ انتخابات ماي 1963 وتقريبا نفس العدد فما يتعلق بالانتخابات الجماعية مع اختلاف في التواريخ بطبيعة الحال، إذن على مستوى السلوك الانتخابي كما أسلفت فيبدو أن المواطن المغربي قد اكتسب اتجاها ايجابيا حيال ممارسة حقه في الانتخاب، هذا من جهة ومن جهة ثانية إذا نظرنا إلى المحددات الموجهة للسلوك الانتخابي للمواطن تحديدا، فإننا سنجد أنه لم يطرأ عليها تغيير مهم، بحيث مازال التصويت عند فئات واسعة يتأسس على معطيات بعيدة عن قواعد اللعبة وبالتالي يمكن أن نسجل أن المسار الديموقراطي بالمغرب مازال في مرحلة استجماع مقومات وجوده أو لنقل “إذا أردنا أن نكون إيجابيين” ما نزال في الطريق نحو إرساء ثقافة ديموقراطية بالمعني العميق والشامل للكلمة.

هذا الاستنتاج سيمهد أمامنا سبيل محاكمة محطة السابع من أكتوبر، أكيد أن هذه المحطة سبقها الكثير من اللغط السياسي ومن المناورات خصوصا بين حزب العدالة والتنمية الذي قاد التحالف الحكومي والذي حصل على نتائج جيدة في الانتخابات الجماعية الأخيرة، ومنافسيه الذين اعتقدوا أنه بإمكانهم إزاحته من على قمة الترتيب التمثيلي، أتحدث هنا خصوصا عن أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الاشتراكي دون أن ننسى فدرالية اليسار التي أرادت ان تفتح جبهة أخرى تقوم على تحريك المعطى الأيديولوجي، حتى يتم تصوير الصراع على أنه صراع قيمي أولا قبل ان يرتبط بالتنمية بأبعادها المتعددة.

ولا احتاج لأذكر بمسيرة الدار البيضاء والخط الثالث وتسريب الغضبات الملكية وبيان الديوان الملكي واستثمار الكلمات الانتخابية التي تكثر فيها الهفوات والسقطات بسبب طبيعتها الارتجالية وكذا دور الإعلام…، المهم هو أن هذا اللغط كما أسميته جعل المواطن يستشعر بأن محطة 7 أكتوبر مهمة لدرجة أن زملاء التدبير الحكومي بالأمس أي الأحزاب المشكلة للحكومة تخلصت مما يسمى بالتضامن الحكومي ومن اشتراكهم في المحصلة العامة للمردود الحكومي لفائدة صراع مفتوح ومباشر وغريب في نفس الوقت، خصوصا بين التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، لذلك انخرط هذا المواطن بمشاركة أعتبرها جد إيجابية على المستوى الرقمي – قريبا من 7 مليون مصوت- في ظل الخطاب التيئيسي الذي ما فتئت تروجه فئات معروفة بمواقفها من الفاعلين السياسين في الفترة الأخيرة، هي ايجابية كذلك بالنظر إلى اتساع قاعدة الهيئة الناخبة بما يقارب المليون شاب وشابة سجلوا أنفسهم حديثا في اللوائح الانتخابية بما يؤشر على إقبال قوي لهذه الفئة على العمل السياسي.

فالانتخاب عموما لم يكن في مجمله مؤسسا على اقتناع سياسي، ونسجل ان أحزابا كالعدالة والتنمية والاستقلال والاتحاد الاشتراكي وبدرجة أقل فدرالية اليسار والحركة تمتلك تنظيمات شبابية وموازية ساعدتها بدرجات متفاوتة في محاولة إقناع المواطن بالتصويت لفائدة لوائحها، لكن لا يجب ان ننسى أن أحزاب أخرى وجدت نفسها مضطرة لسلوك تكتيكات أخرى بعيدة عن الإقناع كاستدراج الأعيان والوجهاء ورجال المال والتغلغل في العائلات الكبيرة ومحاصرة المنافسين وتوزيع الوعود… من أجل تكثيف حظوظها الانتخابية.

على مستوى المحصلة الرقمية، نسجل أنه لم تحدث هناك مفاجآت مهمة، فالانتخابات بقدر ما كرست الاتجاه التصاعدي لحزبين اثنين هما العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة بقدر ما أزمت وضعية الأحزاب التقليدية الممثلة بأحزاب الكتلة والحركة والأحزاب الليبرالية.

هل يمكن، إذن، الاطمئنان على المسار الديموقراطي لبلادنا؟

في الغالب، عندما يطرح هذا السؤال ينتظر السائل من المجيب أن يضع المغرب في سياق مقارناتي مع أنظمة غربية وديموقراطية عتيدة..، أعتقد أن هذا من الناحية المنهجية غير جيد إطلاقا، لأن المغرب أولا دولة فتية ديموقراطيا، ثانيا لأن التقاليد السلطانية التي ورثناها على امتداد قرون لن تسمح أبدا بالاستدماج الأوتوماتيكي المباشر لنظام قد يشك في أنه سيؤثر على وضع ومكانة الملكية ،لابد إذن من تدرج وتكييف مع تثقيف وتوعية وطمأنة، أعتقد أن رجال الحركة الوطنية اصطدموا مع هذا الأمر في بداية الاستقلال وفشلوا في المزاوجة بين التقليدين: تقليد سلطاني قائم على البيعة وآخر على ديموقراطية الصناديق، مما أثر على المسار برمته، فمنذ حكومة الحاج أحمد بلافريج” استثنيت حكومة البكاي لأسباب” والتي استقالت على بعد أقل من سنتين من تنصيبها إلى حكومة ما قبل دستور2011، والمغرب يزاوج بين التقدم والارتداد في مجال الديموقراطية، لذلك فمن وجهة نظري، ونظرا للظروف الإقليمية والدولية والإشارات التي ما فتئت تبعثها المؤسسة الملكية وأيضا ذلك النضج السياسي المتنامي للأحزاب السياسية وكذا تزايد منسوب الوعي لدى المواطن، يحق لنا أن نطمئن على خط المسار الديموقراطي لبلادنا لأنه أولا لم يعد النقاش منصبا حول وضع الملك داخل هرم الدولة بقدر ما يتعلق الأمر بممانعات تصدر بين الفينة والأخرى من لوبيات ضغط ومقاومة تتستر خلف أحزاب سياسية معينة وهذه الممانعات لا ترقى إلى درجة طرح بدائل ومشاريع سياسية حقيقة وثانيا لأننا اجتزنا مرحلة جس نبض آثار دستور 2011 وتبين من خلالها أن المغربي وصل درجة من الوعي سيسمح لمؤسسات الدولة أن تطمئن إليه وأن تعطيه كل الوسائل للتأثير في القرار السياسي برمته..

انطلاقا من تقييمكم للخريطة الحزبية التي أفرزت عشية 7 أكتوبر، ماهي معالم الحكومة المقبلة؟

من الثابت أن الدستور هو الضامن لحقوق الشعب، ونظرا لأنه لا يأتي دائما وفق أهواء البعض، ممن يعتبره عائقا ومسببا للمشاكل، فإنهم يستهدفونه ويحاولون القفز على مضامينه عن طريق تأويلات لا تستند إلى منطق. مناسبة هذا الكلام هي الأقاويل التي صدرت عن البعض حول رئاسة الحكومة وحول المادة 47 من الدستور التي تنص بما لا يمكن لاثنين أن يختلفا حوله بأن جلالة الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، إذن مسألة ترؤس الحكومة محسومة ولسنا في حاجة للعودة إليها.

أما بخصوص دلالات نتائج التصويت فالأمر واضح: الهيئة الناخبة التي صوتت في السابع من أكتوبر الأخير ومن خلالها الشعب المغربي أعطى موافقته للحكومة المنتهية ولايتها للاستمرار في العمل والاصلاح، صحيح أنه منحها أغلبية المقاعد لكن بالمقابل لا يجب أن ننسى التقدم الكبير للأصالة والمعاصرة المعارض، – سأترك جانبا سياق الانتخاب واتهام السلطة بدعم هذا الأخير فهذا لا يهنا الآن-، ما يهم حاليا، هو أن غالبية الشعب مصطف مع استمرار أحزاب الحكومة في العمل سويا وفق نهجها السابق، وفئة غير قليلة لم يعجبها ربما المردود الحكومي وتلك رسالة يجب أخذها بعين الاعتبار أثناء التخطيط لوضع برنامج العمل الحكومي، نقطة آخر لابد أن أشير إليه، وهي أن الحكومة التي ستترأسها العدالة والتنمية قد، وهذا جد وارد، تستدمج جزء من المعارضة السابقة على اعتبار صعوبة عودة التجمعيين إلى حضنها، لذا وجب على أحد الطرفين، سواء المعارضة السابقة أو أحزاب الأغلبية، أن تقوم بمراجعات أو تبريرات لخطابها السابق، فعلى كل حال أحدهما يجب أن يقر بأنه كان مخطئا. هذا هو السيناريو المتاح والمتوقع وأستبعد التحالف مع الأصالة كما أستبعد اللجوء لما يسمى بالحل الإسباني؟

ماذا تقصدون بالحل الاسباني؟

العودة إلى الشعب في انتخابات جديدة في حال عدم توصل رئيس الحكومة إلى تشكيل تحالف يضمن أغلبية برلمانية…

كيف تستشرفون مستقبل المعارضة بالبرلمان في ظل غياب احزاب وطنية متمرسة؟

في حقيقة الأمر ترسخ في المخيال السياسي لمسؤولي الأحزاب السياسية براديغم غريب جدا وهو أن المعارضة آلية جيدة لكسب التعاطف الجماهيري وإعادة بناء الشعبية والقواعد، وهذا خطأ، لن أحتاج للاستدلال بشيء آخر غير نتائج الانتخابات الأخيرة: حزب يحكم ويتقدم وأخرى تعارض وتتقهقر “مع استثناء الأصالة والعاصرة”؟؟؟ مؤسف جدا ما وقع للأحزاب الكلاسيكية وأتوقع أن يستمر تفتتها الجماهيري والتنظيمي بشكل سريع جدا ما لم تتدارك الأمر على عجل، يكفيهم من أجل ذاك ان يستفيدوا من درس العدالة والتنمية، فهذا الحزب لا يرتبط نشاطه بموسم الانتخابات فقط، فالكل يرى أن مقراته مفتوحة على الدوام وتنظيماته الموازية والتي تشترك معه: الشبيبية، الطلابية، الكشفية، النقابية… خلايا لا تهدأ، برامجها متواصلة ومتصلة ، في الوقت الذي لا تكاد تسمع فيه عن الأحزاب الأخرى إلا حول أنشطتها المركزية. يجب إذن على الأحزاب الوطنية أن تدرك أن المعادلة قد تغيرت وأن المستقبل السياسي لن يكون للذين يراهنون على الموسمية أو الأعيان أو الاستمالة بوسائل أخرى غير مشروعة..

على هذا الأساس أعتبر أن عمل المعارضة في الولاية الماضية والذي كان موجها إلى الرأي العام الوطني وحتى الأجنبي أحيانا، بهدف بناء صورة سلبية وقاتمة على نشاط الحكومة وأحزابها لتقتات منها انتخابيا في وقت لاحق، أكثر مما كان يهدف إلى المساءلة النقدية والاقتراح البناء من أجل تعديل سياسات أو تصحيح مسارات، كان خطأ سياسيا كبيرا من جانبها، وقد أحسنت العدالة والتنمية استثمراه بعد ذلك، لذلك فإني أنتظر أن أرى معارضة جديدة من النوع الذي سيحاول دفع الحكومة إلى تبني سياسات إيجابية ثم العمل على الظهور بصورة المشارك المنخرط والموجه وفق معارضة قائمة على مناقشة الجزئيات وليس فقط دوغمائية الرفض الثابتة.

كلمة أخيرة:

إن من مصلحة الأحزاب السياسية التي تضررت من الانتخابات الأخيرة أن تتحلى بالوضوح في آرائها وقراراتها وأهدافها، لا أن يضع الحزب رجلا في الحكومة وآخر في المعارضة، لأسباب مجهولة، وهذا لعمري نفاق سياسي تابعنا سويا آثاره الفادحة في السابع من أكتوبر 2016.

2016-10-16 2016-10-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد الغازي