الإدارة القضائية وسؤال استقلال السلطة القضائية

آخر تحديث : الأربعاء 16 مايو 2018 - 2:51 مساءً

 

على هامش اللقاء الدراسي الذي نظم بمجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة بقاعة  الندوات يوم الأربعاء 9 ماي 2018 ، أكد   سمير أيت أرجدال -دكتور في الحقوق ، أستاذ باحث مهتم بشؤون العدالة ورئيس المحكمة الابتدائية بوادي زم- بأن موضوع الإدارة القضائية يكتسي أهمية بالغة وأهمية كبيرة ؛  لا سيما في ظل الإقرار الدستوري لاستقلال السلطة القضائية و استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية.وأنه  من المواضيع المركبة و المعقـدة في الأنظمـة القضائية الحديثة لما يكتنفه من صعوبــات مفاهيميــة و وظيفية وتدبيرية وعضوية : من منطلق تعدد المتدخلين في تدبيره و تشعب مكوناته، و تعدد المستويات الموجهة  له .  و المؤسسات المؤثرة فيه.

ومن جانب آخر أكد ذات المتحدث بأنه مهما اختلفت الرؤى ؛ و تباينت المواقف ؛ فإن الإدارة القضائية في جوهرهاتقوم على أساس البحث عن السبل الكفيلة بتيسير و تدبير العدالة من طرف مختلف مكوناتها  و تجويد الخدمات القضائية على درجة من السرعة و الفعالية و النجاعة.

وهو ما يجعلها خاضعة في آليات اشتغالها إلى مبدأ ” التدبير المشترك ” وفق الضوابط الدستورية والقانونية والتوجيهات التنظيمية ، في سبيل تحقيق النجاعة القضائية وتجويد الخدمة القضائية .  أما استقلال السلطة القضائية كمبدأ دستوري وكوني ، فإنه يرتبط أشد الارتباط بالممارسة القضائية في علاقتها بباقي السلط الأخرى وبمختلف الفواعل الضاغطة التي قد تؤثر بتقييدات أو بضغوطات أو بتدخلات على أداء السلطة القضائية ؛ بالشكل الذي قد يهدد الضمانات الدستورية والقانونية والمعايير الدولية ذات  الصلة بمبدأ الاستقلالية ؛ والتي شرعت في أصلها لحماية حقوق المتقاضين ولضمان حرياتهم وأمنهم القضائي.

ولأجله ، أكد الباحث المختص في شؤون العدالة بأن المنطق الدستوري يقتضي أن لا تكون الإدارة القضائية مدخلا من مداخل المساس باستقلال السلطة القضائية ؛ لاسيما مع خصوصية النظام القضائي المغربي الذي يتبنى النموذج التعددي في الجهة المكلفة بالإدارة القضائية ( وزارة العدل  المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، رئاسة النيابة العامة ، الهيئة المشتركة  للتنسيق ، السلطات العمومية)؛

مشددا على أن  تدبير الادارة القضائية رهين بتنزيل الضوابط الدستورية للتدبير  المشترك خاصة في شقها المتعلق بالتعاون والتنسيق وفق محددات معيارية واضحة  تجعل الإدارة القضائية الجيدة شرطا من الشروط الداعمة والضامنة  لاستقلال السلطة القضائية.

ومن جهة أخرى ، أفاد المتحدث بأن الإدارة القضائية وإن كانت تخضع لمبدأ التدبير المشترك بين السلطة الحكومية المكلفة للعدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية وذلك في إطار الهيئة المشتركة للتنسيق المنصوص عليها في المادة 54 من القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ؛ والتي تم إحداثها بموجب القرار المشترك المؤرخ في ثاني مارس 2018؛ فإن الجدير بالاهتمام هو أن تدبير الإدارة القضائية يختلف عن تدبير الإدارة العمومية الذي هو من اختصاص الحكومة ؛ وذلك تماشيا مع ما انتهى إليه قرار المحكمة الدستورية رقم 991.16 الصادر بتاريخ 15 مارس 2016 والذي قضى ضمن حيثياته بأن ” الإدارة القضائية  تتميز عن باقي الإدارات العمومية بمساهمتها في تدبير الشؤون القضائية المندرجة بطبيعتها في مهام السلطة  القضائية ” . وهو ما يفيدمن وجهة نظر الدكتور سمير أيت أرجدال  أن الإدارة القضائية هي من صميم أعمال السلطة القضائية ؛ مشددا على أنأي مطالبة بوضع حد لصلاحيات المسؤولين القضائيين في الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم ، ستبقى مطالبة غير دستورية وغير مبنية على أسس قانونية متينة وقوية ؛ وذلك بصرف النظر عن الأسباب والمبررات المعتمدة ؛ بدليل ما قضت به المحكمة الدستورية في قرارها المشار إلى مراجعه أعلاه –  والذي جاء فيه بأنه لا يمكن إعمال مبدأ استقلال السلطة القضائية دون توفر المسؤولين القضائيين على صلاحية الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم.

وأضاف  رئيس المحكمة الابتدائية بوادي زم في معرض كلامه أنه إعمالا لأحكام الفصل 134 من الدستور والتي تنص على أن قرارات المحكمة الدستورية ملزمة لكل السلطات العامة  ولجميع الجهات الإدارية القضائية ؛ فإنه يتعين على كل الفاعلين بمنظومة  العدالة استحضار هذه المقتضيات الدستورية ، والتي تعتبر موجها من الموجهات المرجعية الكبرى في نطاق الإدارة القضائية؛ لا سيما في شقتها المرتبط  بتدبير الشؤون القضائية الذي يعد من صميم مهام السلطة القضائية.

وفي سياق بيانه للأحكام ذات الصلة بمؤسسة الكاتب العام التي تعد من مستجدات مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة؛ أفادنفس المتحدث بأن المنطق الدستوري  والقانوني يقتضي بأن يكون الكاتب العام من أعضاء السلطة القضائية الذين يزاولون مهامهم بصفة فعلية بمحاكم المملكة. و هو الاتجاه الذي تبنته مجموعة من الأنظمة القضائية المقارنة. مضيفا بأنه

إذا تم تحديد اختصاصات الكاتب العام تحديدا تشريعيا حصريا  في الشق المتعلق بالتدبير المالي و الإداري بالشكل الذي سيحل وظيفيا محل كل من رئيسي كتابة الضبط و كتابة النيابة العامة درءا لتعدد المؤسسات  ؛ فإنه لا يرى  مانعا في إسناد هذه المهمة إلى إطار من أطر كتابة الضبط من ذوي التخصص القانوني؛ شريطة أن يمارس مهامه تحت مراقبة السلطة المكلفة بالعدل بنص القوانين التنظيمية، وتحت إشراف المسؤول القضائي بروح  قرار المحكمة الدستورية .مع التأكيد على أن  الإشراف المقصود في هذا المقام ليس بمفهومه التسلطي و العمودي كما يعتقــد البعـــض، و إنما بمعناه الدستوري القائم على أساس تعاون السلط و توازنها و على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة ؛ و التي تعد ضوابط  دستورية مشتركة بين كافة مكونات منظومة العدالة سواء كانوا قضاة أو موظفين أو غيرهم، و الهادفة في جوهرها إلى تسهيل الولوج إلى العدالة وتجويد الخدمة القضائية و صيانة الحقوق و ضمان الحريات  ؛ دونما اعتبار لأي صراعات أو خلفيات. 

متابعة

2018-05-16 2018-05-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد