السينما والتربية

آخر تحديث : الخميس 14 يونيو 2018 - 1:43 مساءً
عماد الصليب

لقد أصبح التفكير اليوم ، ضربا من المستحيل في غياب الصورة ، وهذا يحيل إلى أطروحات سالفة في زمن الفلسفة الإغريقية عند أرسطو كأنه يكلمنا اليوم بالذات ، زمننا الذي أصبحت فيه الصورة ضرورة نتعايش معها في شتى أشكالها ،إن لم نقل أنها عضو من أعضاء الحياة الذي لا تقوم من دونه. فالتلفاز أصبح من أفراد البيت ويسود الحزن في غيابه ولا راحة ولا مرح من غيره.كل الوسائل التواصلية متاحة اليوم والتفكير في استثمارها تربويا يتطلب نوعا من الاصلاح واتاحة الفرص للتكوين الفني والتربوي للتعامل مع الصورة بنوعيها في الحقل التربوي وتشجيع الولوج الى الدراسة الفنية من جهة وخلق حياة مدرسية مفعمة بالحس تجاه هيمنة البصري في حياتنا المعاصرة. الاندية التربوية والفنية ان لم تجد التشجيع والمساعدة لاجل تدارك مسيرة الاصلاح التربوي ومستجداته ستبقى وعاءا فارغا لن يجتمكن من تنزيل واجرأة توصيات الميثاق التربوي ولن يحقق اهداف منظومة الاصلاح المستعجل . إرتبط الوعي الجمعي والفردي بإلزامية الصورة ، فأصبحت تشكل ما يسمى بالتفكير البصري الذي بواسطته نسعى لفهم العالم وإكتشاف المحيط من خلال لغة الشكل والصورة ، “في وصفاتها الإدراكية عبر الوسائط المباشرة المتاحة لنا كالتلفاز والكميوتر وشاشات العرض إلخ……أو في شكلها المرتبط بالباطن كالتصورات والصور التي تتشكل في حالات لاواعية عن الناس والاشياء او حتى في حلالات الوعي والادراك لكن في فوضى لا تحترم الخط الزمني. على كل حال ، نستنتج عملية الإستلاب الذي تمارسه الصورة على الإنسان. تسلب وعيه ولغته ، وتجعل منه متخاذلا كسولا يميل إلى الفردانية أكثر والجلوس أكثر و يتطلع الى الجاهزية دون ابذال الجهد والتمكن من اليات قراءة الصورة وتحليلها لكل غاية مفيدة في الحقل التعليمي, وبالتالي تنقرض العين القارءة للغة النص والكتاب، لتحل قراءة مشهدية تعتمد اللقطة والصورة المتحركة خصوصا. في ظل الزحف المهول للوسائط التقنية والتكنلوجية ، تجد الصورة المجال الأرحب للإنتشار والإكتساح والثاثير على مجالات الحياة الإنسانية. فماهي الثاثيرات المباشرة وغير المباشرة لهذه الهيمنة على مجال صناعة الانسان وإعداده ؟ لاشك ان الوسائط التربوية اليوم المستعملة لمجال التلقين ، تسيطر عليها الصورة في كل أشكال تقديمها من توضيحية وأشرطة العروض العلمية وأجهزة البيانات إلخ…..ورغم ذلك فإن سلبياتها أقوى بكثير: كتزييف للوعي وإخفاء الحقيقة اما الإرتباط السلبي من طرف الأطفال والشبان بل حتى اغلب الراشدين ، للصورة فيتجلى في إستلاب الحرية والعدوانية والتمثل والجرائم وتفشي ظواهر غريبة تنزع الإنتماء الى متخيل وتقاليد ولغة ووطن ليسبح الإنسان في بحر التبعية والعالمية ويصنع العالم الإفتراضي الخاص به، عالم بلا حدود بلا قيود، إنه الهدم الحضاري الذي تمارسه القوى المهيمنة تقنيا وإعلاميا لأن من يتحكم اليوم في التقنية والإعلام هومن يمتلك العالم. إننا نجتر الخطى مؤمنين مسلمين لهذه التبعية التي مصدرها ضعفنا الإعلامي وإنشغالنا بإعادة البناء من الهدم الذي خلفته الإمبريالية. الفن والتربية نظامان يهدفان معاإلا الحرية وتجاوز العبودية عندما يكون الإنسان واعيا ومدركا فإن الأخر يصعب عليه إستثماره وإستعباده .فالفنان المبدع والمفكر العبقري والمربي كلهم ساهموا في بناء المجتمع وإن كانت أساليبهم تختلف إلا انهم يلتقون في الهدف رغم ان المجالين يفترقان في نقط هامة من قبيل أن الفن مجال الحرية بإمتياز بينما الفن هو مجال نظامي تحكمه ضوابط عقلانية أكثر. ويكمن الفرق في عملية الممارسة فالإبداع يكون غير مشروط بزمان أومكان. بينما التربية تحكمها قوانين وضوابط ،لايمكن الخروج عنها . أو العمل خارج إطارها . فالديموقراطية هي فعل وممارسة وفرق كبير بين الفعل وممارسة الفعل ، كما هو بين القول والعمل لان الفنون خاصة الصورةا فعل جماهيري في ملكية الكل وفقا للعولمة والكوكبية إذا ماثم السطو عليه أو تحريفه إديلوجيا فإنه يخرج عن إطاره السامي الذي يرتبط بالحق والحرية في التعبير . حرية الأفراد والجماعات وياتي ذكر ذلك بنوع من الحذر من أن يسقط غير المتمكن من التوجيه التربوي في صفوف المتعلمين في فخ مجاراة الصورة دون فك لغزها وعزل الافضل المفعم بالقيم الوطنية والدينية. واحترام الاخر بما فيها الفضاء التربوي وتوجيه نقله عبر الصورة الى ما هو افضل. لا تتعلق المسألة بالفاعل السلبي من داخل النظام فقط بل من خارجه اكثر خطورة يتمثل في جهاز مسلح بكل الوسائل المتاحة ويستعمل تقنيات الترغيب واليات للجذب قصد الهيمنة ؟ أخطر هيمنة إمبريالية التي نعيشها حاليا في التسونامية الفرونكوانجلوساكسون فسيل الكوكبة وتدمير القيم واللغات يهدم الحدود والسيادات . حضور هذه الهيمنة واضح في التعليم ومفروض علينا إدراجه خلال الإستراتيجيات الإصلاحية ممايسبب صداما عميقا بين أهداف محلية وقيم وطنية وبين الأخر بكل تجلياته لفرض النموذج الغربي. السينما والتربية : العلاقة تنطلق من هنا سينما تتربى من أجل صورة البلاد المنفتحة، لكن الصائنة لقيمها وبالتالي تكون التربية في خدمة الإبداع والإبداع في خدمة الوطن .الصورة وسيلة تواصل فعال وبذلك هي اليوم متاحة بشكل مهول الصورة التي نكونها منا وعنا والصورة التي يصنعها منا وبنا الأخر المهيمن . فالتربية امانة يجب ان يكون الخاضع لبرنامجها وفيا للإنتماء دون الإ نحياز للأخر واضعا للأصل فوق كل إعتبار ولعل الإنصياع بالفعل والقوة للخضوع الأخر هو سبب فشلنا التربوي وهو النموذج التابع الضعيف الذي تريده الغرب ونذكر التجربة اليابانية التي أنطلقت من المحلي وطلقت الطريق الغربية أثار تخوف هذه الدول من ان تنهل البلدان التابعة هذا الطريق . الغرب يحتكر الإعلام والسينما. فكيف نصنع تربية سينمائية في خدمة المواجهة وإعادة الإعتبار هل ان تكون التربية السينمائية ضمن الغايات .؟ أم وسيلة تعليمية لا تختلف عن السبورة. بمعنى اخر ان نجعل من الصورة في الفضاء التربوي وسيلة ديداكتيكية لتوصيل المعارف؟ ام غاية وهدف نحو صناعة غد تقني وإعلامي في مواجهة التحديات. ظل النسق السيمانطيقي طاغيا على الخطاب التربوي، في غياب الصورة كثقافة مرئية فاللغة المسموعة هي المسيطرة مما خلق لدى المتعلم مفارقة كبيرة في التعبير الذي يظل مفتقدا للتصورات المرئية ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقال. الأستاذ لم يتلق تربية “صورية” بمعنى اللون والشكل وإطار الحركة للصورة وابعادها وإنتاج ثقافة العين بدل الأذن فالتعليم الذي يوجه إلى الحاسة الواحدة تعليم ناقص من أساسه. ولعل الأسباب في ذلك تعود إلى التقديرات الكمية التي يوضع الإصلاح في إطارها كلما أنفق أقل كلما أنتج أقل ٌ.. تعود الأسباب كما أشرنا في مناسبات سابقة إلى أن دخول الصورة والتعبير بالصورة بشكل رسمي شيء مقلق على المستوى اللوجستيكي وإعداد الفضاءات الملائمة وهذا ليس بعذر، مادامت المدرسة المغربية مترعا لدفن بقايا الاليات ومطرحا لمزبلة الإعلاميات فلا توجد مؤسسة تعليمية خالية من ذلك أجهزة معتقلة في قاعات خاصة لا يتم الولوج إليها عادة إلا خلال الإجتماعات الدورية والطارئة للمؤسسة وهذا يطرح إشكالا أخر بحيث أن إغلاق هذه الحجرة هو إغلاق لكل الأنشطة الفنية من جهة وإغتيال الإبداع والفن التربويين . لعل هذه الإشارة كافية لأجل تشخيص الوضعية الراهنة للمؤسسة التربوية وأ نشطتها فكيف في هذا الوضع ، يثم الحديث عن الفن عامة والتربية، خاصة الصناعة الفلمية في خدمة التربية وتقليص غربة الذات المتعلمة ، عن النسق المشهدي المتحرك على الشاشة، والثابت منه على الكتاب ، في شكل دعامة مسندية لتوصيل المعارف حول الموضوع . الصورة والتعلمات يتطلب الفصل فيها تفاديا للبس أن نتطرق الى تداخل ثنائية متفاعلة في هذا الصدد والحديث يتعلق بنمطين من الصورة: يتبع حسن نايت بوهو

2018-06-14 2018-06-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عماد الصليب