القومية تقترب من الإفلاس

آخر تحديث : الأربعاء 11 يوليو 2018 - 11:24 صباحًا

يبدو أن المواجهة بين القومية والعولمة -وليس المواجهة بينالشعبوية والنخبوية- باتت تحدد شكل الصراع السياسي خلال هذا العقد. وحيثما نظرنا تقريبا (إلى الولايات المتحدة أوإيطاليا أو ألمانيا أو بريطانيا، ناهيك عن الصين وروسياوالهند) نجد أن الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية أصبح القوة الدافعة الرئيسية وراء الأحداث السياسية.

وعلى النقيض من هذا؛ لم يكن التمرد المفترض من قِبَل “عامة الناس” ضد النخب واضحا، فقد استولى أصحاب المليارات على السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب؛ ويدير أساتذة جامعيون غير منتخَبين الحكومة الإيطالية “الشعبوية”.

وفي مختلف أنحاء العالَم، جرى تخفيض الضرائب على الدخول المتزايدة الارتفاع التي يحصل عليها الممولون، والمتخصصون في التكنولوجيا، ومديرو الشركات.

“الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية راجع إلى حد كبير إلى ظاهرة كراهية الأجانب، كما عَرَّفَها عالِم الاجتماع التشيكي الأميركي كارل دويتش: “الأمة مجموعة من الناس يربط بينهم خطأ شائع حول أصولهم وكراهية مشتركة لجيرانهم”. فالأوقات العصيبة تحفز على البحث عن كبش فداء؛ ومن الواضح أن الأجانب هدف مغرٍ دائما”

ومن ناحية أخرى؛ تقبل العمال العاديون بصمت حقيقة أن الإسكان العالي الجودة، والتعليم الجيد، بل وحتى الرعاية الصحية، كلها أمور أصبحت بعيدة عن متناولهم على نحو ميؤوس منه.

وتسود هيمنة النزعة القومية على المساواة بشكل خاص في إيطاليا وبريطانيا، الدولتين اللتين اشتهرتا ذات يوم بالحس الفاتر بالهوية الوطنية.

فمن الملاحظ في بريطانيا غياب الأعلام حتى عن المباني الحكومية، وحتى الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان الناس هناك مسترخين حول سيادتهم القومية، إلى الحد الذي جعلهم عاجزين حتى عن إزعاج أنفسهم بمحاولة الاتفاق على اسم دولتهم: المملكة المتحدة، أو بريطانيا، أو إنجلترا، أو ويلز، أو أسكتلندا.

وكان الإيطاليون أقل حسا بالقومية؛ فمنذ تأسس الاتحاد الأوروبي، كان الإيطاليون أكبر مؤيدين للفدرالية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي -حتى وقت قريب- أن ثقة الناخبين في زعماء الاتحاد الأوروبي ببروكسل أكبر من ثقتهم في حكومتهم بروما.

والإيطاليون شغوفون بثقافتهم وتاريخهم وأطعمتهم وكرة القدم، لكن وطنيتهم كانت موجهة في الأغلب إلى المناطق والمدن، وليس إلى الدولة القومية. وهم يفضلون أن يُحكَموا من بروكسل وليس من روما.

وحتى هذا العام؛ كان حزب الرابطة اليميني المتطرف -وهو العضو الأصغر فيالحكومة الائتلافية الجديدة في إيطاليا- لا يزال يسمى رابطة الشمال.

وكان واحدا من شعاراته المفضلة “غاريبالدي لم يوحد إيطاليا؛ بل قسم أفريقيا“، وكان مطلبه السياسي الرئيسي حل الدولة، مناديا -بدلا من ذلك- بإنشاء دولة جديدة تحت مسمى “بادانيا”، والتي تفصل المناطق المزدهرة في الشمال عن الفسادوالفقر في روما وما دونها جنوبا.

ما الذي يفسر إذن الهيمنة المفاجئة للقومية؟ الواقع أن القومية الجديدة في إيطاليا وبريطانيا -أو حتى في الولايات المتحدة- لا تنطوي على أي قدر يُذكَر من الوطنية الإيجابية.

بل يبدو أن هذا الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية راجع إلى حد كبير إلى ظاهرة كراهية الأجانب، كما عَرَّفَها عالِم الاجتماع التشيكي الأميركي كارل دويتش: “الأمة مجموعة من الناس يربط بينهم خطأ شائع حول أصولهم وكراهية مشتركة لجيرانهم”.

فالأوقات العصيبة (انخفاض الأجور، والتفاوت بين الناس، والحرمان الإقليمي، والتقشف بعد الأزمات) تحفز على البحث عن كبش فداء؛ ومن الواضح أن الأجانب هدف مغرٍ دائما.

ولا شيء أبعد عن الوطنية من عداء ترامب للمهاجرين المكسيكيين والواردات الكندية، أو سياسات الحكومة الإيطالية الجديدة المعادية للمهاجرين، أو تصريحتيريزا ماي الأكثر شهرة بعد توليها منصب رئيس وزراء بريطانيا: “إن كنت تعتقد أنك مواطن العالَم فأنت لست مواطنا لأي مكان. وأنت لا تفهم معنى المواطنة”.

لننتقل الآن إلى خبر سارّ لهؤلاء الذين ما زالوا يفخرون بكونهم “مواطنين للعالَم”؛ فالجهود المدفوعة بكراهية الأجانب لإلقاء اللوم عن المصاعب الاقتصادية على الأجانب مآلُها الفشلُ حتماً.

ولننظر هنا في الجهود التي بُذلت بعد الأزمة لتحويل الغضب الشعبي من انهيار اقتصادات أصولية السوق نحو “مصرفيين جشعين”. فقد فشلت هذه الجهود -في نهاية المطاف- جزئيا لأن المصرفيين لديهم موارد ضخمة للدفاع عن أنفسهم، وهو ما لا يتوفر للأجانب في عموم الأمر.

“ستزود المواجهة القومية بين بريطانيا وبقية أوروبا الساسة من كل الأحزاب بأعذار بلا نهاية لفشلهم في تحسين الحياة اليومية. وفي الأشهر والسنوات المقبلة؛ سيتعلم الناخبون في أميركا وإيطاليا نفس الدرس. فهناك أيضا لن يفعل تقديم التأثيرات الأجنبية ككبش فداء -سواء عبر التجارة أو الهجرة- أي شيء لرفع مستويات المعيشة، أو معالجة مصادر السخط السياسي”

لكن تقريع المصرفيين فشل في تهدئة الغضب العام أساسا لأن مهاجمة التمويل لم تفعل أي شيء لتعزيز الأجور، أو تضييق فجوة التفاوت، أو عكس مسار الإهمال الاجتماعي. وسيصدق نفس الشيء على الهجمات الحالية التي تُشنّ على النفوذ الأجنبي، سواء من خلال الهجرة أو التجارة.

فالآن تستفيق بريطانيا مثلا على حقيقة مفادها أن القضايا الأوروبية لا علاقة لها بالمظالم السياسية الحقيقية التي حفزت جزءا كبيرا من التصويت لصالح “الخروج”. وبدلا من ذلك، ستهيمن مفاوضات خروج بريطانيا الآن على السياسة البريطانية فتشتتها لسنوات عديدة، أو ربما حتى لعقود.

وستزود المواجهة القومية بين بريطانيا وبقية أوروبا الساسة من كل الأحزاب بأعذار بلا نهاية لفشلهم في تحسين الحياة اليومية. وفي الأشهر والسنوات المقبلة؛ سيتعلم الناخبون في أميركا وإيطاليا نفس الدرس. فهناك أيضا لن يفعل تقديم التأثيرات الأجنبية ككبش فداء -سواء عبر التجارة أو الهجرة- أي شيء لرفع مستويات المعيشة، أو معالجة مصادر السخط السياسي.

صحيح أن إيطاليا لديها شكاوى مشروعة ضد الاتحاد الأوروبي: السياسات المنافقة وغير المنصفة في التعامل مع اللجوء وعمليات الإنقاذ في البحر، والقواعد المالية المدمرة للذات، والسياسات المالية الأمية اقتصاديا. لكن الحكومة الجديدة تستغل أيضا الارتفاع المفاجئ للمشاعر القومية لمهاجمة الإصلاحات التي لا علاقة لها بأوروبا، والتي تشكل أهمية بالغة لنجاح إيطاليا الاقتصادي.

دأبت الحكومات الإيطالية المتعاقبة -منذ الأزمة المالية- على إرساء الأسس تدريجيا لإصلاح معاشات التقاعد، وسوق العمل، والقطاع المصرفي.

وقد أوجدت هذه التغيرات الظروف الملائمة لتعزيز التعافي الاقتصادي الذي بدأ العام الماضي في أعقاب عشر سنوات من الركود؛ لكنها لم تحظ بقدر كبير من الشعبية على المستوى السياسي، والآن تتوالى عليها الإدانات بوصفها رموزا للقمع الأجنبي النخبوي.

وإذا تخلت الحكومة الجديدة عن مشاريع الإصلاح الثلاثة، فربما ينبغي للإيطاليين أن يتخلوا أيضا عن الأمل في التعافي الاقتصادي، وربما لعشر سنوات أخرى.

ستكتشف الولايات المتحدة أيضا أن مهاجمة المصالح الأجنبية ليست الدواء الشافي من كل داء، بل وربما تزيد من قسوة المصاعب الحالية. يتصور ترامب أن التدابير التي اتخذها ضد الواردات من الصين وألمانيا وكندا، ستُلحق الأذى بهؤلاء الشركاء التجاريين وتخلق فرص عمل أميركية. وربما كان هذا سيعدّ صحيحا عندما كانالاقتصاد الأميركي يعاني من ضعف النمو والانكماش.

ولكن في عالَم يتسم بالطلب القوي وارتفاع معدل التضخم؛ سيجد المصدّرون الألمان والصينيون أسواقا جديدة لمنتجاتهم، في حين سيواجه المصنعون في الولايات المتحدة مصاعب جمة لإحلال الموّردين الأجنب.

وستكون أحوال شركات مثل “بي أم دبليو” و”هواوي” على ما يرام، في حين تعمل التعريفات الجمركية الجديدة كضريبة مفروضة على المستهلكين الأميركيين من خلال الأسعار الأعلى، وعلى الشركات الأميركية وأصحاب المساكن الأميركيين من خلال أسعار الفائدة الأعلى. إن الوجه المقابل للقومية الشعبوية ليس نخبوية العولمة؛ بل الواقعية الاقتصادية. وفي النهاية ستكون الغَلَبة للواقع.

كلمات دليلية ,
غير معروف
EL GHAZZI

2018-07-11
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

EL GHAZZI
%d مدونون معجبون بهذه: