متابعة: خديجة بوشخار.
افتتحت، صباح اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026، بمقر الزاوية البصيرية بمركز بني عياط بإقليم أزيلال، أشغال الندوة العلمية الدولية المنظمة تحت شعار “العلماء الصوفية من التلقي العلمي إلى السلوك التربوي والإصلاح المجتمعي”، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين من المغرب و15 دولة عربية وإسلامية وأجنبية، في تظاهرة فكرية وعلمية تعكس المكانة التي أصبحت تحتلها الزاوية البصيرية على المستويين الوطني والدولي.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور والي جهة بني ملال خنيفرة عامل إقليم بني ملال السيد محمد بنريباك، وعامل إقليم أزيلال السيد حسن الزيتوني، ووالي أمن جهة بني ملال خنيفرة، والمدير الأكاديمي الجهوي، إلى جانب شخصيات علمية وأكاديمية ودينية وفعاليات مدنية وثقافية مهتمة بقضايا الفكر والتربية والإصلاح المجتمعي.

واستهلت فعاليات هذا الموعد العلمي الدولي بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمات ترحيبية أكدت أهمية استحضار الإرث العلمي والروحي للعلامة محمد البصير، باعتباره أحد أعلام التربية والتصوف السني المعتدل الذين جمعوا بين التحصيل العلمي والتوجيه التربوي وخدمة المجتمع.
ونظمت هذه الندوة العلمية من طرف مؤسسة محمد البصير للأبحاث والدراسات والإعلام بشراكة مع مؤسسات جامعية وعلمية وطنية ودولية، حيث تضمن برنامجها جلسات أكاديمية ومداخلات علمية تتناول أبعاد المشروع الإصلاحي للعلامة محمد البصير، وأدوار العلماء الصوفية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

وفي مداخلة وُصفت بالمؤثرة خلال الجلسة الافتتاحية، أكد الشيخ مولاي إسماعيل بصير أن المدرسة البصيرية ظلت عبر تاريخها وفية لرسالتها القائمة على الجمع بين العلم والتربية وخدمة الوطن، مشيراً إلى أن الزاوية لا تقتصر أدوارها على التأطير الروحي فحسب، بل أصبحت فضاءً حقيقياً لتكوين الأجيال وتأهيل الشباب علمياً وأخلاقياً.
وأوضح الشيخ مولاي إسماعيل بصير، خلال حديثه أمام والي الجهة ووالي الأمن والمدير الأكاديمي والوفود العلمية المشاركة، أن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء الإنسان، وهو ما جعل الزاوية البصيرية تضع الشباب والمتعلمين في صلب اهتماماتها، من خلال المواكبة التربوية المستمرة والتأطير العلمي والدعم المعنوي الذي يتيح للمتعلمين تحقيق التميز الدراسي والتفوق الأكاديمي.
ويبرز هذا التوجه التربوي من خلال النتائج المشرفة التي حققها تلامذة الزاوية البصيرية في امتحانات البكالوريا لهذه السنة، حيث تمكن طلبة المؤسسة من تحقيق نسبة نجاح بلغت 100 في المائة، في إنجاز يعكس حجم الجهود المبذولة في التتبع اليومي والمواكبة المستمرة التي يشرف عليها الشيخ مولاي إسماعيل بصير شخصياً إلى جانب الأطر التربوية والإدارية.
ويرى متتبعون أن هذا النجاح لا يمثل مجرد نتيجة دراسية، بل هو ثمرة مشروع تربوي متكامل يجمع بين التحصيل العلمي والتربية على القيم والانضباط والمسؤولية، وهو ما جعل الزاوية البصيرية تتحول إلى نموذج وطني في الجمع بين الأصالة الدينية ومتطلبات التكوين العصري.
كما شكلت الندوة مناسبة للتأكيد على الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها الزوايا المغربية في نشر العلم وترسيخ قيم التسامح والتعايش وتعزيز التماسك الاجتماعي، فضلاً عن مناقشة سبل استثمار هذا الرصيد الحضاري في مواجهة التحديات الفكرية والتربوية المعاصرة.
وتواصل الندوة أشغالها يوم الخميس 18 يونيو الجاري من خلال جلسات علمية ولقاءات فكرية متخصصة تحتضنها مدينة أزيلال، بمشاركة باحثين وأكاديميين من مختلف التخصصات والبلدان المشاركة، في أفق بلورة توصيات تسهم في تعزيز أدوار المؤسسات العلمية والروحية في التنمية الإنسانية والإصلاح المجتمعي.
وتؤكد هذه التظاهرة الدولية، مرة أخرى، أن الزاوية البصيرية ليست فقط حاضنة للتراث الروحي والعلمي، بل مؤسسة مجتمعية فاعلة تواصل أداء رسالتها في تكوين الأجيال وترسيخ قيم المواطنة والاعتدال، بما يجعلها نموذجاً متفرداً في خدمة العلم والإنسان والوطن.