مدخل: من ينصف المطر؟
في زمن تتسابق فيه الأصوات نحو الضجيج، وتتنافس فيه الألوان الموسيقية على الصخب والبريق، يأتي بعضُ الفن صامتًا كما يأتي المطر — لا يُعلن عن نفسه، لكنه يترك أثرًا في كل ما لمسه. أنشودة “أنزار” التي أبدعها الشاعر والباحث الأستاذ عمر أيت سعيد، وأحياها بصوته الفنانُ خالد ختوش، وألبسها ثوبها الموسيقي المبدع عبد القادر بن عثمان — هذا العمل الثلاثي الأركان ليس مجرد أنشودة، بل هو بيانٌ ثقافي وجمالي وروحي يستحق الوقوف أمامه بالتأمل والتحليل.
أولًا: القصيدة — حين تتكلم الأرض
“أنزار” بالأمازيغية لا يعني المطر فحسب، بل يحمل في طياته ذاكرةً جماعية كاملة. فهو في الموروث الأمازيغي رمزٌ للحياة المُعادة، وللأرض التي تئنّ فتُجيبها السماء، وللإنسان الذي يرفع يديه في لحظة صدق مطلق ليطلب من الله ما لا يملكه أحد سواه.
ثانيًا: الصوت — خالد ختوش، ابن قصر السات
لا يمكن فهم عمل فني بمعزل عن الإنسان الذي أداه. وخالد ختوش ليس مجرد مؤدٍّ اختير لإسناد الأنشودة إليه — هو جزءٌ عضوي من النسيج الذي نُسجت فيه.وهو أستاد ومربي للأجيال عمل على استثمار الانشودة التربوية والمقاربة الفنية في الممارسة الصفية مع المتمدرسين ومع الكثير من الجمعيات التي تشتغل في مجال التربية .
ابن بلدة تنجداد من قصر السات في جنوب شرق المغرب، ذلك الفضاء الجغرافي المشحون بالتاريخ والذاكرة، حيث يلتقي الأطلس الكبير بالصحراء، حيث الأرضُ نفسها تعرف معنى الظمأ وتعرف معنى الانتظار — هذه البيئة لم تكن مجرد موطن، بل كانت مدرسةً أولى في الإحساس بعمق “أنزار”.
الفنان خالد ختوش سبق له ان أحيى امسيات صوفية وروحية بقلعة مكونة بتنسيق مع وزارة الثقافة ، كما ساهم في تنشيط العديد من الورشات الفنية المرتبطة بالانشودة التربوية .
الكلمات …
الأستاذ عمر أيت سعيد، الشاعر والباحث الذي يُجيد استنطاق الموروث الأمازيغي وتحويله إلى قصيدة تربوية حية، لم يكتب عن المطر كظاهرة طبيعية. بل كتب عن المطر كدعاء، كتضرع، كعلاقة بين الإنسان وخالقه. في هذه القصيدة تتشابك ثلاثة أبعاد دفعةً واحدة:
البُعد الروحي: الأنشودة في جوهرها ابتهالٌ يخاطب الله مباشرةً، يجمع بين توحيد الخالق والتوكل عليه في أزمة الجفاف. إنه نصٌّ يُذكّر بأن الإنسان مهما بلغ من العلم والحضارة يظل مفتقرًا إلى الغيب.
البُعد التربوي: لأن الأنشودة موجّهةٌ بالدرجة الأولى للأجيال الناشئة، فقد اختار الأستاذ أيت سعيد لغةً بسيطة في ظاهرها، عميقةً في باطنها. كلماتٌ يفهمها الطفل ويتأمل فيها الكبير، وهذا هو أصعب ما يُكتب في الشعر التربوي.
البُعد الهوياتي: اللجوء إلى اللغة الأمازيغية في هذا السياق ليس خيارًا لغويًا بريئًا، بل هو موقفٌ ثقافي صريح: هذه اللغة قادرة على حمل المقدس، وقادرة على تربية النشء، وقادرة على الاستمرار. إنها رسالة مضمّنة في كل كلمة.
مونتاج الفيديو الأستاذ عبد العزير البكري
خالد ختوش لا يُغنّي “عن” المطر، بل يُغنّي “من داخله”. صوته يحمل ذاكرة مناطق جرداء تنتظر، وأرواح بشرية علّمها الجفاف التواضع أمام السماء. وهذا ما يمنح أداءه مصداقيةً نادرة لا يمكن اصطناعها في أستوديو مهما بلغت تقنياته.
مسيرته الفنية في مجال الأنشودة التربوية والأغنية الروحية الصوفية الأمازيغية تضعه في خانة من نختار الهوية على الشهرة، والرسالة على الانتشار. وألبومه “أمان” الصادر عام 2025 — وكلمة “أمان” بالأمازيغية تعني الماء — يكشف عن وعي فني متماسك: إنه فنانٌ يعرف لماذا يُغنّي، قبل أن يعرف كيف يُغنّي.
وفي أنشودة “أويد أنزار ربي” التي وصفها بـ”جوهرة الألبوم”، نجد خالد ختوش لا يُقدّم فنًّا للمتعة وحسبها، بل يُقدّم فنًّا للمعنى. وهذا التمييز هو الفاصل الحقيقي بين الفنان وبائع الترفيه.
ما يُضاف إلى رصيد ختوش هو انخراطه في العمل الميداني التربوي؛ إذ شارك في مهرجان “إيض سكاس” ببومالن دادس وأقام ورشات فنية تربوية مع الأستاذ أيت سعيد موجهةً لتلاميذ المؤسسات التعليمية. وهذا يعني أن الفن عنده ليس خشبةَ مسرح، بل فعلٌ يومي في بناء الإنسان.
ثالثًا: الموسيقى —عبد القادر بن عثمان، من يُلبس الكلمات أجنحة
لو كانت القصيدة هي الروح وكان الصوت هو الجسد، فالموسيقي هي الهواء الذي يجعل هذا الجسد يتنفس ويُحلّق. والمبدع لحسن بن عثمان، في عزفه لأنشودة “أنزار”، أثبت أنه يمتلك ما يُمتلك نادرًا: الحساسية الثقافية التي تمنع الأداة الموسيقية من أن تطغى على الكلمة، وتجعلها في خدمتها لا منافسةً لها.
العزف الذي اختاره العازف عبد القادر بن عثمان يعتمد على مزج الآلات التراثية الأمازيغية بعناصر موسيقية تُعطي العمل نَفَسًا معاصرًا دون أن يسقط في فخّ التحديث التقليعي الذي يفرغ الموروث من محتواه. إنه توزيعٌ يقول للمستمع: أنت أمام تراثٍ حي، لا أمام متحف ناطق.
الإيقاع في الأنشودة يسير بتدرّج يُحاكي نزول المطر ذاته: يبدأ هادئًا كالغيمة الأولى، ثم يتصاعد في ديناميكية تُجسّد الدعاء المُلحّ، قبل أن يستقر في لحظة من الرضا والسكينة. وهذا الذكاء الدرامي الموسيقي لا يحدث مصادفةً، بل هو ثمرة فنان يقرأ القصيدة قبل أن يوزّعها.
رابعًا: العمل في سياقه الأشمل — لماذا نحتاج هذا الفن اليوم؟
في خضم موجة ثقافية تجعل الطفل يحفظ كلمات أغانٍ فارغة من المعنى قبل أن يحفظ اسم شجرة في بستان جدّه، يأتي عمل كـ”أنزار” ليُؤكد أن الأنشودة التربوية الأمازيغية ليست موروثًا للاستذكار، بل أداةٌ ثقافية حية تُشكّل الهوية وتُغذّي الانتماء.
ما أنجزه ثلاثيُّ أيت سعيد وختوش وعبد القادر بن عثمان في هذا العمل هو نموذجٌ يستحق أن يُدرَّس: كاتبٌ يملك الرؤية، ومؤدٍّ يملك الصدق، وموسيقيٌّ يملك الحساسية — وحين يلتقي هؤلاء الثلاثة على رسالة واحدة، يُولد الفن الأصيل.
خاتمة: لكل مطر سماء، ولكل أغنية وطن
“أنزار” ليست مجرد أنشودة. هي دعوةٌ لأن نُصغي من جديد إلى ما قالته الأرض دائمًا: أن الحياة لا تُستأنف إلا بالعودة إلى الجذور، وأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يعرف من أين جاء ولماذا يُغنّي.
فتحيةٌ للفنانين الذين صنعوا من الكلمات مطرًا، وتحيةٌ إلى عبد القادر بن عثمان الذي صنع من الموسيقى سحابًا، وتحيةٌ — وإنصافًا — إلى خالد ختوش الفنان الأمين الذي صنع من صوته سماءً ليسقط من بينهما مطرٌ لن ينساه من سمعه.
عمر ايت سعيد