بقلم ايت مبارك خديجة
ليس كل سفرٍ إلى الجزائر يُشبه غيره… فحين يشد أولمبيك آسفي الرحال إلى العاصمة لمواجهة اتحاد العاصمة، فإن الأمر يتجاوز حدود مباراة في نصف نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، ليُلامس فكرة الحلم الذي بدأ يتشكل بهدوء، ويكبر بثقة، ويبحث اليوم عن شرعية الإنجاز.
القرش المسفيوي، الذي لم يكن أحد يراهن عليه في بداية المشوار، صار اليوم رقما صعبا في المعادلة القارية. فريقٌ يلعب بوعي جماعي، ويُدير تفاصيل مبارياته بذكاء، ويعرف كيف يُؤجل الحسم إلى اللحظة التي يختارها، لا التي تُفرض عليه.
في مواجهة السبت، عند الخامسة مساء بالتوقيت المغربي، لا يدخل الفريق ممثلا لمدينة آسفي فقط، بل حاملا لرهان كرة قدم مغربية تعودت في السنوات الأخيرة على كتابة التاريخ في المسابقات الإفريقية، لكن هذه المرة بنكهة مختلفة… نكهة “المفاجأة التي تصر على أن تتحول إلى قاعدة”.
رحلة أولمبيك آسفي إلى نصف النهائي لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالألغام. وأصعبها ذلك الديربي المغربي الخالص أمام الوداد الرياضي، حيث تعادل الفريقان ذهابا وإيابا، قبل أن يمر القرش من ثقب الإصرار، ويُفجر واحدة من أكبر مفاجآت المسابقة.
هناك، وُلدت القناعة… أن هذا الفريق لا يلعب فقط، بل “يؤمن”.
اليوم، يدخل أولمبيك آسفي هذه المواجهة بترسانة من العوامل الإيجابية:
انسجام تكتيكي واضح، روح قتالية لا تُناقش، وعودة مهاجمه عماد الخنوس، الذي يشكل مع صلاح الدين الرحولي وموسى كوني ثلاثيا هجوميا قادرا على إرباك أي دفاع، مهما كانت صلابته.
لكن، في المقابل، فإن اتحاد العاصمة ليس خصما عاديا. فريقٌ يملك تجربة قارية محترمة، ويعرف تفاصيل هذه المسابقة، حتى وإن كانت نتائجه الأخيرة في الدوري المحلي تُثير الكثير من علامات الاستفهام، بعد ثلاث هزائم متتالية ألقته إلى المركز الحادي عشر.
غير أن مثل هذه المباريات لا تعترف بالمعطيات الرقمية وحدها، بل تُحسم في مناطق الظل… في القدرة على التحكم في التوتر، في قراءة اللحظات، وفي استثمار التفاصيل الصغيرة.
مدرب الفريق المسفيوي، محمد شكري الخطوي، يدرك جيدا أن مباراة الذهاب لا تُكسب التأهل، لكنها قد تضع نصف القدم في النهائي، لذلك كان الإعداد مركزا على الجانب الذهني بقدر ما كان تقنيا وبدنيا، لأن الرهان الحقيقي في مثل هذه المواعيد هو “التحكم في النفس قبل التحكم في الكرة”.
أما اتحاد العاصمة، بقيادة مدربه لمين ندياي، فيبحث عن استعادة التوازن، وإعادة الثقة إلى فريق اهتزت صورته محليا، لكنه لا يزال يملك ما يكفي من الخبرة ليقول كلمته قاريا.
وبين طموح الصاعد بثقة، ورغبة العائد من الشك، ستُكتب تفاصيل مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات… مباراة قد لا تحسم كل شيء، لكنها بالتأكيد سترسم ملامح الطريق نحو النهائي.
التحكيم المصري، بقيادة أمين عمر، سيكون مطالبا بإدارة مباراة لا تقبل الأخطاء، لأن الهامش فيها ضيق، والرهانات كبيرة.
في النهاية، لا يبدو أولمبيك آسفي مجرد ضيف ثقيل على الجزائر… بل ضيفٌ جاء ليُعيد تعريف نفسه، وليُثبت أن كرة القدم ليست حكرا على التاريخ، بل هي أيضا مساحة مفتوحة لمن يملك الشجاعة ليحلم… ويُحسن ترجمة الحلم إلى واقع.