حين يلتقي التشكيل بالرواية لإنقاذ القيم من الغرق
بين ريشة التشكيلي محمد الهواري وقلم الروائي لحسن ملواني، يولد عمل فني متكامل يحمل عنوان “إثري” (النجم بالأمازيغية)، الصادرة حديثاً عن جمعية عبور للثقافة والنشر بمطبعة النور، في طبعة أنيقة من تنسيق وإخراج نور الدين الوادي. الغلاف الذي أنجزه الفنان العميق محمد الهواري ليس مجرد زينة، بل هو عتبة بصرية تنقل القارئ إلى عمق الرواية، حيث تختزل اللوحة ملامح التراث الأمازيغي والهوية المغربية في مشهد تأملي يثير الحنين ويدعو إلى اكتشاف ما بين الدفتين.
تقديم أحمد الشيخاوي: رواية تؤرخ لذاكرة جماعية
في تقديمه للرواية، يشير الناقد والشاعر المغربي أحمد الشيخاوي إلى أن “إثري” عمل روائي يختلف عن السائد، فهو يعود بالقارئ إلى زمن ما قبل التكنولوجيا، إلى تفاصيل الحياة القبلية والطبيعة البكر، ويكتب:
“هذه الرواية تشبه لوحة تشكيلية مركبة، تمتزج فيها الألوان الزاهية للأمل بألوان الباهتة للألم، لترسم صورة متكاملة عن إنسان مغربي أصيل يحاول التمسك بجذوره في زمن المتغيرات. لحسن ملواني استطاع أن يؤرخ لذاكرة جماعية بأسلوب سردي شيق، يمزج بين الواقعية والتأمل الفلسفي، ليقدم لنا عملاً يستحق القراءة والتأمل.”

من هو لحسن ملواني؟
الكاتب المغربي لحسن ملواني،من أبناء جهة درعة تافيلالت بواحتي دادس ومكون، الذي يعد واحداً من الأصوات الأدبية المتميزة في المغرب منذ بداية التسعينات، يمتلك رصيداً إبداعياً ثرياً يمتد بين الرواية والقصة والشعر والنقد والتشكيل . من أبرز إصداراته:
رواية “المتعبون” (2012)
رواية “تيتريت” (2015)
رواية “الفريد” (2024)
ديوان “التفاتات” (شعر رقمي 2008)
“قراءة عاشقة لإبداعات أمازيغية” (2011)
“جمالية التراث الأمازيغي في الفن التشكيلي” (2023)
هذا التنوع يعكس مشروعاً ثقافياً متكاملاً يسعى إلى رصد أهمية الهوية الأمازيغية في اثراء الأدب بصفة عامة .
“إثري”… سيرة طفل استثنائي
تدور أحداث الرواية حول شخصية “موحى”، الذي عاش تجربتين وجوديتين: الأولى مع زوجة لم تنجب، والثانية أنجبت له “إثري”، الطفل الذي لم يكن كبقية أطفال قريته. كان ذكياً عصامياً، أتم دراسته بنفسه، رافضاً الانجراف وراء موجات الماديات، ومصمماً على أن يكون مصلحاً خلوقاً في زمن كثرت فيه المغريات.
على لسان الراوي، يصف الكاتب لحسن ملواني شخصية إثري بعبارات تنبض بالحياة، إذ يقول:
“كان إثري كنجم في كبد السماء، تضيء لمن حولها دون أن تطلب منهم رفع رؤوسهم إليها. مشى في دروب الحياة بخطى ثابتة، لا تزلزله صروف الدهر، لأنه كان يحمل في قلبه إيماناً راسخاً بأن القيم هي ما يبقى حين يرحل كل شيء.”
الرواية تعود بالقارئ إلى تفاصيل الطفولة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى زمن الحقول والحصاد والمواسم والألعاب الشعبية، قبل أن تغزو الشاشات والهواتف إيقاعات البادية الهادئة. إنها بانوراما اجتماعية-تاريخية ترصد بعيون الطفولة وعيون الكبار ملامح حقبة كاملة.
صرخة لإنقاذ القيم
في تصريح خاص، يؤكد الكاتب لحسن ملواني أن “إثري” ليست مجرد حكاية فردية، بل هي صرخة وجع وحنين:
“الرواية هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من القيم. إثري رغم موته في نهاية الرواية، يبقى حياً في أذهان شخصيات الرواية، وهذه لعبة سردية ذكية أراد بها الراوي أن يتفلت من الموت المحتوم، ليبقى الأثر الإنساني خالداً. اخترت اسم ‘إثري’ لأنه يعني النجم، فالنجم تضيء حتى بعد أفوله.”
هذا التلاعب بأفق توقعات القارئ، حيث يموت البطل جسدياً لكنه يستمر حضورياً، يمنح الرواية بُعداً فلسفياً عميقاً. إنها دعوة للتأمل في زمن السرعة والنسيان، وتأكيد على أن الأخلاق والقيم هي وحدها القادرة على منح الإنسان خلوداً معنوياً.
حوارية السرد وتقنيات متطورة
ما يميز رواية “إثري” هو بناؤها السردي المتقن، حيث يتنقل الراوي بين كونه عالماً بكل تفاصيل الشخصيات، وبين متفرج لا يعرف أكثر مما يعرف القارئ. هذه الثنائية تخلق تشويقاً ودهشة، وتجعل المتلقي شريكاً في اكتشاف عوالم الرواية. كما أن الوصف الدقيق للطبيعة والحقول والقبيلة والمؤسسات التقليدية يمنح النص جمالية شعرية لا تخلو من حنين وأسى.
الرواية، التي تقع في حوالي 150 صفحة، تدخل في إطار ما يمكن تسميته “الرواية الاجتماعية-التاريخية”، وهي تشبه في بعض جوانبها أعمال جرجي زيدان، لكنها أكثر عمقاً في تحليل النفس البشرية والعلاقات الإنسانية.
د.عمر ايت سعيد
الرواية: إثري
الكاتب: لحسن ملواني
الغلاف: محمد الهواري
تقديم: أحمد الشيخاوي
تصميم وإخراج: نور الدين الوادي
الطبعة الأولى: 2024
مطبعة النور
عن جمعية عبور للثقافة والنشر