إعداد: خديجة بوشخار.
يخلد المغرب، اليوم الجمعة 14 غشت 2026، الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب، وهي محطة وطنية بارزة تستعيد من خلالها الذاكرة الجماعية فصلاً من فصول تاريخ المملكة، وتستحضر دلالات الارتباط بالوطن والعرش والوحدة الترابية.
وتحيل هذه الذكرى على يوم 14 غشت 1979، حين قدم إلى الرباط عدد من أعيان وشيوخ ووجهاء وعلماء وشخصيات من وادي الذهب، مجددين البيعة للملك الراحل الحسن الثاني، في موقف حمل آنذاك دلالات سياسية ووطنية قوية، وعكس تشبثاً بالانتماء إلى المغرب وارتباطاً راسخاً بالعرش العلوي.
وتأتي هذه المناسبة في سياق تاريخي ارتبط بمسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وهي مسيرة امتدت عبر محطات متعددة، شكلت كل واحدة منها جزءاً من التحولات التي عرفها المغرب خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى استرجاع وادي الذهب سنة 1979.
وبعد مرور 47 سنة، تستمد هذه الذكرى قيمتها أيضاً من قدرتها على وصل الماضي بالحاضر، إذ لم تعد استعادة الأحداث التاريخية مجرد وقوف عند وقائع مضت، وإنما أصبحت فرصة لقراءة ما راكمه المغرب من مكتسبات، واستحضار مسؤولية الأجيال في صونها وتعزيزها.
وفي هذا السياق، تبرز المواطنة باعتبارها أحد أهم التعبيرات العملية عن الانتماء للوطن. فالمواطنة الحقيقية تتجسد في احترام القانون والمؤسسات، والقيام بالواجب، والمساهمة في التنمية، والحفاظ على الممتلكات والمصالح العامة، إلى جانب الاعتزاز بالهوية الوطنية والوعي بالتاريخ.
كما تشكل المناسبة محطة تربوية لفائدة الشباب، بما تتيحه من فرصة للتعرف على مراحل من التاريخ المغربي، وفهم التحولات التي رافقت بناء الدولة الحديثة ومسار استكمال وحدتها الترابية. فالأمم التي تعرف تاريخها تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها، وأكثر استعداداً لصناعة مستقبلها.
ولا يمكن فصل استحضار ذكرى وادي الذهب عن التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال العقود الماضية، حيث أصبحت التنمية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية إحدى ركائز الحضور المؤسساتي وتعزيز الاندماج المجالي. وقد ساهمت المشاريع والاستثمارات والبنيات التحتية والخدمات في إحداث دينامية متنامية بهذه المناطق.
ومن هنا، فإن الوفاء لروح هذه الذكرى لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يقتضي مواصلة العمل من أجل تحقيق تنمية متوازنة، وتعزيز العدالة المجالية، وتوفير فرص العيش الكريم، وتقوية حضور الشباب في مختلف مسارات البناء الاقتصادي والاجتماعي.
وتحمل ذكرى 14 غشت كذلك رسالة واضحة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى تظل مسؤولية جماعية، وأن صيانة المكتسبات تحتاج إلى وعي دائم وإلى أجيال قادرة على الجمع بين الاعتزاز بالماضي والانخراط الإيجابي في تحديات الحاضر.
إن مرور سبعة وأربعين عاماً على استرجاع وادي الذهب يمثل مناسبة لاستحضار صفحات مشرقة من الذاكرة الوطنية، لكنه يمثل في الوقت ذاته دعوة إلى جعل حب الوطن ممارسة يومية، تتجسد في العمل الجاد، والمسؤولية، والتضامن، وخدمة الصالح العام.
وبين ذاكرة حدث وطني راسخ وتطلعات مغرب اليوم، تظل ذكرى استرجاع وادي الذهب محطة لاستلهام قيم الوحدة والتلاحم والوفاء، وتجديد الالتزام بمواصلة مسيرة البناء والتنمية، بما يعزز مكانة المغرب ويقوي تماسكه ويخدم مصالح أجياله الحاضرة والمقبلة.