متابعة : خديجة بوشخار.
في أجواء احتفالية طبعتها الأصالة وروح التنافس، انطلقت بالمركب الرياضي للفروسية بمدينة الفقيه بن صالح بعد زوال يوم الاحد تاسع غشت2026 عروض الدورة الثالثة للمسابقة الإقليمية لفنون الفروسية التقليدية «التبوريدة»، في محطة تراثية مميزة تنظم تحت إشراف عمالة إقليم الفقيه بن صالح، وتتزامن مع فعاليات الدورة الرابعة لملتقى المهاجر، الذي اختار هذه السنة أن يواصل انفتاحه على مختلف التعبيرات الثقافية والتراثية والاقتصادية التي تميز الإقليم.
وقد شكلت انطلاقة عروض التبوريدة موعداً استثنائياً لعشاق الفروسية التقليدية، حيث اجتمعت السربات القادمة من مختلف مناطق الإقليم لتقدم لوحات فنية واحتفالية تعكس مهارة الفرسان في ركوب الخيل وانضباطهم في أداء الاستعراضات الجماعية، وسط حضور جماهيري لافت تفاعل مع مختلف فقرات هذه التظاهرة التي أعادت إلى الواجهة واحداً من أعرق مكونات الذاكرة الشعبية المغربية.

ولم تكن التبوريدة، في هذا الموعد، مجرد منافسة بين السربات، بل تحولت إلى فضاء للاحتفاء بالهوية والتراث، حيث امتزج صهيل الخيول بزغاريد الحاضرين، وتكاملت الأزياء التقليدية للفرسان مع جمال الخيول المزينة، في مشهد يعكس عمق ارتباط ساكنة إقليم الفقيه بن صالح بفنون الفروسية التقليدية وحرصها على صون هذا الموروث ونقله إلى الأجيال القادمة.
وتأتي هذه العروض في سياق الدورة الرابعة لملتقى المهاجر، التي استطاعت أن تقدم نفسها، بحسب مدير الملتقى السيد” محمد ملطوف” في تصريح للجريدة، في حلة مختلفة ومتميزة، سواء من حيث تنوع الأنشطة والبرامج أو من خلال الانفتاح على مجالات متعددة، مؤكداً أن هذه النسخة حملت العديد من المحطات التي أضفت عليها طابعاً خاصاً، من بينها تكريم مجموعة من الوجوه المتألقة في مجالات مختلفة، وتنظيم عروض الفروسية التقليدية، إلى جانب ندوات ولقاءات فكرية وفعاليات متنوعة ساهمت في تعزيز إشعاع الملتقى.

وأوضح مدير الملتقى أن هذه التظاهرة لم تعد تقتصر على الاحتفال واللقاء فقط، وإنما أصبحت، عبر محطاتها المتعاقبة، جسراً حقيقياً بين الإقليم وأبنائه المقيمين بالخارج، ولاسيما ذوي الأصول العميرية، حيث ساهم الملتقى في استقطاب عدد من مغاربة العالم وتشجيعهم على العودة إلى أرض الوطن والاستثمار في المنطقة، من خلال مشاريع ومبادرات مختلفة تم تنزيل بعضها على أرض الواقع، بما يخدم الاقتصاد المحلي والإقليمي، ويساهم في خلق فرص جديدة أمام الشباب والكفاءات.
وأكد ملطوف أن الرهان الأساسي يظل هو تحويل ارتباط مغاربة العالم بأرض الأجداد إلى مبادرات عملية واستثمارات منتجة، بما يجعل من الكفاءات المهاجرة شريكاً في التنمية، ومن الملتقى فضاءً للتواصل وتبادل الأفكار وطرح المبادرات التي يمكن أن تجد طريقها إلى التطبيق، خدمة لإقليم الفقيه بن صالح وجهة بني ملال-خنيفرة بشكل عام.

وبينما كانت السربات تتألق بعروض مميزة تسحر الجمهور،احتضن المركب الثقافي بالفقيه بن صالح مساء الاحد تاسع غشت الانطلاقة الرسمية لفعاليات ملتقى المهاجر حيث استقبلت قاعة المركب الثقافي جمهورا غفيرا استمتع بالبرنامج الذي تم تقديمه خلال هذه الأمسية بدءا بالافتتاح بالنشيد الوطني ثم عرض شريط حول أهم محطات النسخة الماضية من ملتقى المهاجر ثم عرض مسرحي يتحدث عن موضوع ” حنين المهاجرين المغاربة إلى أرض الوطن وتمسكهم بتقاليد الوطن وأصالته وقيمه المغربية”.

والجدير بالذكر أن نجاح الدورة الرابعة لملتقى المهاجر لم يكن وليد تنوع البرنامج فقط، وإنما ارتبط أيضاً بجودة التنظيم والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وهي نقطة شكلت إحدى أبرز عناصر قوة هذه الدورة.
وفي هذا السياق، برز بشكل لافت الدور الذي اضطلع به الصحافي “عصام العابدي”، المشرف على لجنة تنظيم الإعلام بالملتقى، والذي استطاع من خلال تنسيق متميز وحضور متواصل أن يجمع مختلف المراسلين والإعلاميين المشاركين في تغطية فعاليات هذه الدورة، وأن يوفر أجواء مهنية ساعدت على مواكبة مختلف الأنشطة والمحطات الإعلامية للملتقى.

وقد شكل أسلوب العابدي في التواصل، وما أبداه من انفتاح واحترام لأخلاقيات المهنة وحسن تدبير للعلاقة مع مختلف ممثلي وسائل الإعلام، عاملاً إضافياً في إنجاح التغطية الإعلامية لهذه التظاهرة، حيث ظل حاضراً لمواكبة التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وتيسير مهمة الصحافيين والمراسلين، بما يعكس وعياً بأهمية الإعلام كشريك أساسي في إنجاح مثل هذه المواعيد.
وهكذا، استطاع ملتقى المهاجر في نسخته الرابعة لسنة 2026 أن يجمع بين الاحتفاء بالتراث والانفتاح على مغاربة العالم، وبين الثقافة والاقتصاد والاستثمار، في لوحة واحدة تتقاطع فيها ذاكرة المكان مع تطلعات المستقبل.
ومن قلب مركب الفروسية، جاءت «التبوريدة» لتمنح هذا الموعد بعداً آخر، عنوانه الأصالة والاعتزاز بالتراث، فيما أكد الملتقى من خلال تنوع فقراته أن الفقيه بن صالح لا تحتفي فقط بمغاربة العالم، وإنما تسعى أيضاً إلى بناء جسور عملية معهم، وتحويل الحنين إلى الأرض إلى مساهمة حقيقية في التنمية.
وبين صهيل الخيول وحماس الجمهور، وبين مبادرات الاستثمار وتكريم الكفاءات والندوات واللقاءات، بدت الدورة الرابعة لملتقى المهاجر وكأنها تكتب لنفسها محطة جديدة في مسار تظاهرة اختارت أن تجعل من الثقافة والتراث والتواصل والاستثمار أدوات لصناعة مستقبل أكثر انفتاحاً، وأن تجعل من الفقيه بن صالح فضاءً يلتقي فيه موروث الأمس بطموحات الغد.