الجهوية المتقدمة خيار استراتيجي لا محيد عنه

آخر تحديث : الإثنين 6 يوليو 2020 - 4:58 مساءً

الكاتب : البخاري ادريس (سيدي سليمان )

عبر العديد من الفاعلين والمختصين بان تنزيل الجهوية المتقدمة لم يعد يحتمل التأجيل، يفرض البرهنة عليه وتقديم ما يفيد بذلك، حتى لا نقف عند ” ويل للمصلين”. وانطلاقا من هذا الاقتناع فلا يمكن أولا تجاوز مجموعة من المعطيات والحقائق. لقد حدد الخطابان الملكيان المؤرخان على التوالي في السادس من نونبر 2008 والثالث من يناير 2010، مرتكزات الجهوية المتقدمة بالمغرب، وهي أربعة: الوحدة والتضامن والتوازن وعدم التمركز. كما حدد دستور 2011 في بابه التاسع المبادئ الكبرى للجهوية المتقدمة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مبدأ التدبير الحر الذي يعد ثورة في التدبير الجهوي والانتخاب المباشر لأعضاء المجالس الجهوية. وإذا كان الخطاب الملكي للثالث من يناير 2010 يعد الخطاب التأسيسي للجهوية المتقدمة بالمغرب، حيث شكل مناسبة لتنصيب ” اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة” وهو إعلان رسمي لبداية هذا الورش المفتوح، فإن الخطاب الملكي السابق لنونبر 2008 حدد لها أيضا بوضوح الأهداف الاستراتيجية. و التأكيد المباشر أو الضمني في خطابات موالية على هدف استراتيجي آخر بالغ الأهمية هو: تطوير وتحديث هياكل الدولة. وتعد الحكامة الترابية والمقاربة التشاركية والمراقبة الإدارية، آليات ذات أبعاد استراتيجية لتنزيل الجهوية المتقدمة. وينص الدستور على آليتين مهمتين: صندوق التأهيل الاجتماعي الذي ينبغي أن يحدث لفترة معينة لفائدة الجهات، وهو يهدف إلى سد العجز في مجالات التنمية البشرية والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات، وصندوق التضامن بين الجهات وهو يهدف إلى تحقيق التوزيع المتكافئ للموارد قصد التقليص من التفاوتات بينها. إنما تقدم، وغيره كثير، يستفز الباحث والإعلامي وكل ذو حس وطني. فإذا كنا نتوفر على ترسانة قانونية مهمة أسماها الدستور وخطب ملكية منذ 2008 أوضحت بجلاء فلسفة الجهوية المتقدمة ومبادءها ومرتكزاتها وأهدافها وغايتها فلماذا يتعثر التنزيل لحد الآن؟ :

لقد تعرف المغرب على الجهوية منذ زمن بعيد ” أي ما يقارب ثمانية قرون قبل الميلاد و حوالي خمسة عشر قبل الغزو الإسلامي” إذ عاش الامازيغ أيام القرطاجيين في مجموعات شبه مستقلة رسخت مفهوم الجماعة كأسلوب في الإدارة و الحكم المرتكز أسسا على النظام القبلي الذي إتسم بإسناد تسيير الشؤون المحلية لبعض الوجهاء و الأعيان, ينتخب من بينهم رئيسا يفصل في مختلف القضايا و يعتبر رجل النصيحة , و هذا النظام استمرت اشكاله في كل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب من قرطاجيين و رومان وبالرغم من أن ممارسة الشؤون المحلية لم تكون مقننة بنص قانوني , فإن مداولات الجماعة كانت دائما تتمحور حول مواضيع إدارية قانونية و قضائية تهم قضايا السكان المحليين . بعد ذلك سيعرف المغرب تنظيما جهويا يعتمد على أسس عسكرية و قبلية تتميز بالاستقلال و الحرية , و هذا الاستقلال عن السلطة المركزية كان يختلف باختلاف قوتها و ضعفها , و في الوقت الذي تكون فيها الدولة في أوج قوتها يتقزم دور المجموعات المحلية ” الجماعة” التي تتشكل في غالب الاحيان من قبيلة واحدة او مجموعة قبائل تجمعها رابطة الدم او العرق, إما أثناء مرحلة انهيار الدولة فان الجماعات القبيلة تتقوي لـتأخذ في أحيان كثيرة شكل مجموعات مستقلة بصورة شبه نهائية عن السلطة المركزية .

لذي رسخ الجهوية المتقدمة كأحد ثوابت الأمة باعتباره “التنظيم الترابي للمملكة تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة”، وتضمنه لمقتضيات متعلقة بالتدبير الجهوي والحكامة الترابية والتنمية الجهوية والمندمجة وتعزيز اللا تمركز الإداري.

   وقد شكل تحقيق الجهوية المتقدمة وترسيخها ورشا استراتيجيا ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يؤكد على ضرورة المضي في تفعيله لما يحمله من حلول وإجابات للمطالب الاجتماعية والتنموية بمختلف جهات المملكة.

   وفي هذا السياق، يعتبر الخطاب الملكي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بتاريخ 6 نونبر 2008 مرجعية أساسية للجهوية المتقدمة، حيث أعلن جلالته فتح صفحة جدیدة في نھج الإصلاحات المتواصلة الشاملة التي يقودها جلالته من خلال إطلاق مسار جھویة متقدمة ومتدرجة، تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جھة الصحراء المغربیة.

   كما أعاد جلالة الملك في خطاب 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية التأكيد على أهمية الجهوية الموسعة باعتبارها “ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة”.

  وشرعت الحكومة في العمل على تنزيل هذا الميثاق بشكل تدريجي، وفق خارطة طريق تعتمد مبدأ التدرج في تطبيق وتفعيل مضامينه داخل أجل زمني لا يتجاوز ثلاث سنوات (2020-2022)، مع إرساء آليات عملية لضمان فعالية ونجاعة هذا التنزيل، بما يحقق توزيعا متوازنا للاختصاصات والوسائل بين الإدارات المركزية للدولة ومصالحها اللاممركزة.

في حالة عدم تدخل الدولة لإعادة رسم الخريطة الجهوية على مجمل التراب الوطني المغربي سواء بالشمال أو الجنوب أو الوسط، فإنه من المرتقب والمؤكد أن يختل نظام تقسيم الثروة بالمغرب وبالتالي فشل الجهوية الموسعة حديث الساعة بالمغرب، حيث في حالة بقاء التقسيم على ما هو عليه والذي يرسخ قضية المغرب النافع والغير النافع، والمغرب الغني والفقير، ثم بالتالي المغرب الحاضر والمنسي، حيث تستأثر خمس جهات أو أقل بالمغرب والمتمركزة في الوسط بما قدره 60 في المائة من الدخل الوطني الإجمالي الخام في حين تبقى نسبة 40 في المائة لباقي الجهات 11، بذلك ستتسع الهوة بين الجهات وبين مكونات الوطن الواحد، حيث ستبرز جهات متقدمة عن الخرى في شتى المجالات فيما ستبقى الأخرى متأخرة بخطوات عديدة كما هو شأنها اليوم، حيث الدولة المركزية تولي اهتماماتها بالمركز أكثر من الهامش، ويعتبر التقسيم الجهوي الحالي أيضا صفعة قوية للحركات الأمازيغية خاصة والحقوقية هي الأخرى، لأن التقسيم الحالي لم يحترم الخصوصيات الثقافية والتاريخية واللغوية والاقتصادية ثم الجغرافية أيضا. ومن جهة أخرى فمن المشاكل العويصة التي تشوب الجهوية الموسعة بالمغرب هو نظام الانتخابات، خصوصا الاقتراعات على المستوى المحلي والجهوي، فالزبونية والمحسوبية عنوانها، وفي حالة عدم وضع شروط ومواصفات يجب أن يتصف بها المترشحون وشروط واجبة أن يتوفر عليها المترشح لرئاسة المجالس الجهوية، فإنه من المرتقب أن تسير الجهات بالمغرب من طرف ذوي الخبرة والمستويات المتدنية واللامسؤولة ، وربما من طرف أميين مما سيؤدي إلى إختلال الجهة وتحرجها بشكل مهول في مغرب يطمح لمستقبل زاهر ومتقدم وحديث على اعلى المستويات.

نجاح الجهوية المتقدمة :

ويرى الملك أن التنزيل الحقيقي للجهوية المتقدمة في بلادنا لن يتأتى إلا من خلال الرفع أيضا من “نجاعة السياسات والبرامج والمشاريع على المستوى الجهوي، لضمان استفادة المستهدفين الفعليين منها، إحقاقا لمبادئ العدالة الاجتماعية والمجالية التي نريدها لجميع مواطنينا على حد سواء”.

وأشار الملك محمد السادس كمثال على ذلك إلى النموذج الجهوي التنموي الناجح في الصحراء المغربية، وقال: “حرصنا منذ البداية على تجسيد هذا النهج على أرض الواقع، انطلاقا من أقاليمنا الصحراوية المسترجعة، وذلك باعتماد نموذج تنموي شامل يستجيب لخصوصيتها، قوامه أوراش مهيكلة ومتعددة، في خدمة انتظارات وتطلعات سكان هذه الجهات”.

الملك دعا القطاعات الحكومية والنخب الجهوية والمحلية، ومختلف الفاعلين المعنيين، إلى المزيد من الانخراط في إطار التشاور القائم لتدارس السبل الناجعة لتفعيل ممارسة الجهة لاختصاصاتها، وفق مقاربة تشاركية، وداخل آجال معقولة.

وزادت الرسالة الملكية: “مهما يكن تقدمنا في تفعيل ورش الجهوية المتقدمة فسيظل دون المستوى المطلوب ما لم ندعمه بمجموعة من الإجراءات الضرورية المواكبة، التي تسمح بالرفع من فعالية ممارسة الجهات لمختلف اختصاصاتها”.

وتابع الملك محمد السادس: “لا يخفى عليكم ما تشكله اللامركزية الترابية ببلادنا منذ الاستقلال من أهمية بالغة في إدارة الدولة، باعتبارها خيارا إستراتيجيا في بناء صرحها الإداري والسياسي، وفي ترسيخ مسيرتها الديمقراطية”.

وأورد الملك محمد السادس أن ورش اللاتمركز الإداري حظي على مر المحطات التاريخية التي عرفها المغرب بمكانة هامة في مسلسل الإصلاحات الدستورية والسياسية والإدارية التي تم اعتمادها، “حيث مكنت من إدخال تغييرات جذرية على المنظومة القانونية المتعلقة بهذا الورش، وساعدت على الترسيخ التدريجي للدور الأساسي للجماعات الترابية في مجال التنمية، في مختلف أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية”.

“لقد قطع مسلسل الجهوية المتقدمة أشواطا هامة، منذ تنصيبنا للجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة، التي شكلت خلاصات تقاريرها أسس بناء النموذج المغربي، الذي يرتكز على المساهمة الفعلية للجهات وللجماعات الترابية في خلق التنمية المندمجة، على أساس الديمقراطية والفعالية والتشاركية”، تورد الرسالة الملكية.

ووقف الملك محمد السادس على دستور 2011، “كتتويج لمسار من التراكمات السياسية، والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، التي أسست للمجتمع الديمقراطي الحداثي، في ظل دولة الحق والقانون”، وزاد أن هذا الدستور كرس دور الجماعات الترابية، وعلى رأسها الجهة، في هياكل المؤسسات المنتخبة للدولة، كما أقر بأن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة؛ فضلا عن دسترة مجموعة من المبادئ الأساسية في التدبير اللامركزي، كما هو متعارف عليه في التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال”.

المواطن أولاً

وركزت الرسائل الملكية إلى المنتخبين والمسؤولين على ضرورة خدمة المواطنين وضمان حقوقهم المشروعة، وأوردت أن هذين التدبيرين “يجسدان الغاية المثلى للهياكل والبنيات الإدارية، بمختلف تصانيفها وأنظمتها القانونية والتدبيرية؛ فالجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات العمومية مدعوة إلى تعبئة جميع مواردها البشرية والمالية واللوجستيكية، لتوفير خدمات عمومية تستجيب لشروط النجاعة والإنصاف في تغطية التراب الوطني”.

ومن هذا المنطلق، يضيف الملك محمد السادس، “حرصنا في الآونة الأخيرة على أن تعتمد حكومة جلالتنا ميثاق اللاتمركز الإداري، وتعمل على تفعيله على المستوى الجهوي، إدراكا منا أن اللاتمركز الإداري سند، لا مناص منه، لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة”، ولفت إلى أنه في “إطار هذا الميثاق، تم تحديد دور واختصاصات الإدارات المركزية واللاممركزة، وإبراز المستوى الجهوي، باعتباره الإطار الملائم لانسجام السياسات العمومية، ولبرمجة مشاريع مختلف القطاعات الحكومية، وتفويض المهام والوسائل المادية والبشرية إلى المصالح اللاممركزة، بالإضافة إلى تكريس عقود البرامج بين الإدارات المركزية وهذه المصالح”.

لكن الملك محمدا السادس شدد على أن ذلك “لن يتأتى إلا بتعبئة كل الطاقات، والانخراط الفعلي لكافة القطاعات الوزارية في تفعيل الميثاق، عبر التسريع من وتيرة إعداد التصاميم المديرية للاتمركز الإداري، والتي يجب أن تكون مبنية على نقل فعلي للاختصاصات الوظيفية، والصلاحيات التقريرية إلى المستوى الجهوي”.

الملك، وهو يرسم خارطة طريق التطبيق السليم للجهوية المتقدمة، أكد أن “الجهد الاستثماري العمومي وحده يظل غير كاف، ويتعين تعزيزه وإثراؤه بالانفتاح على القطاع الخاص، واتخاذ التدابير اللازمة لتمكين المبادرات الاستثمارية الخاصة من المعلومات المتعلقة بفرص الاستثمار التي يوفرها الفضاء الترابي الجهوي، خصوصا ما يرتبط منها بالرصيد العقاري والتهيئة الترابية والمجالات التنموية، التي تشكل أولويات بالنسبة للجهة”.

وأشار الملك محمد السادس إلى أن “إصلاح منظومة المراكز الجهوية للاستثمار، التي عملت على توسيع اختصاصات هذه المراكز، ومنحها صلاحيات هامة في تدبير الاستثمار على المستوى الجهوي، سيشكل آلية ذات أهمية كبرى لمواكبة جهود الجهات، في مجال التنمية الاقتصادية وتشجيع المقاولات وإنعاشها”.

2020-07-06 2020-07-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

البخاري ادريس