إعداد: خديجة بوشخار.
لم يكن تخليد اليوم الوطني للمهاجر بمدينة الفقيه بن صالح، يوم الاثنين 10 غشت 2026، مجرد محطة احتفالية تفرضها مناسبة وطنية، بل شكل لحظة لاستحضار علاقة متجذرة بين الإقليم وأبنائه المقيمين بمختلف بلدان العالم، واستعادة معنى الانتماء الذي لا تحده المسافات ولا تغيره سنوات الإقامة خارج الوطن.
فمع حلول شهر غشت، تستعيد الفقيه بن صالح جزءاً من أبنائها الذين غادروا ترابها بحثاً عن آفاق مهنية وحياتية جديدة، قبل أن يعودوا إليها محملين بذكريات الطفولة وحنين الأمكنة وروابط العائلة. غير أن هذه العودة لم تعد تقتصر على اللقاءات الأسرية وقضاء العطلة، إذ باتت مناسبة لاستحضار أدوار مغاربة العالم في التنمية، والاعتراف بما راكموه من تجارب وكفاءات، وما يمكن أن يقدموه لوطنهم وإقليمهم من مبادرات واستثمارات وخبرات.

واحتضنت عمالة إقليم الفقيه بن صالح هذه المناسبة بحضور عامل الإقليم السيد محمد قرناشي، إلى جانب الباشا وعدد من المسؤولين ورؤساء المصالح والمنتخبين والفعاليات المحلية، فضلاً عن أفراد من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في لقاء حمل أكثر من دلالة، وجمع بين البعد الوطني للمناسبة والبعد المحلي المرتبط بخصوصية إقليم ظل على الدوام مرتبطاً بأبنائه في المهجر.
وكان تكريم عدد من الفنانين والكفاءات المغربية المقيمة بالخارج من أبرز لحظات هذا الموعد، في مبادرة تحمل رسالة واضحة مفادها أن نجاح المغربي خارج بلده يظل امتداداً لنجاح وطنه، وأن أبناء الإقليم الذين استطاعوا بناء مسارات مهنية وفنية متميزة في بلدان الإقامة يستحقون أن يكونوا موضع اعتزاز وتقدير داخل مدينتهم.

ولم يكن هذا التكريم مجرد التفاتة رمزية إلى أسماء حققت حضوراً في مجالاتها، بل شكل اعترافاً بقيمة الإنسان المغربي أينما كان، وبقدرته على تحويل الغربة إلى فضاء للعطاء والإبداع والتميز، مع الاحتفاظ بصلته بوطنه وذاكرته وجذوره. فالفنان والكفاءة المهنية والعلمية والاقتصادية المغربية في الخارج لا يمثلون فقط قصص نجاح فردية، وإنما يشكلون جزءاً من صورة المغرب في العالم، ويحملون معهم ثقافة وطنهم وهويته وقيمه.
وتكتسي هذه المناسبة أهمية خاصة في إقليم الفقيه بن صالح، بالنظر إلى الحضور الوازن لمغاربة العالم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسر والمجتمع المحلي. فالهجرة ظلت على مدى عقود مكوناً أساسياً من مكونات الذاكرة الجماعية للإقليم، وأسهمت تحويلات أبناء الجالية وعلاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية في دعم عدد من الأسر والمشاريع، كما ساهمت عودتهم الموسمية في تنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية خلال فصل الصيف.
غير أن المرحلة الحالية تفرض، وفق مقاربة أكثر شمولاً، الانتقال من النظر إلى الهجرة باعتبارها مجرد علاقة تقوم على التحويلات والزيارات، إلى بناء شراكة قائمة على الاستثمار ونقل الخبرات وتشجيع المبادرة وتبادل المعرفة. فمغاربة العالم يتوفرون على مؤهلات وتجارب وعلاقات مهنية واقتصادية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية المحلية والجهوية، خاصة إذا توفرت لهم آليات المواكبة والتوجيه والتحفيز.
ويأتي تخليد اليوم الوطني للمهاجر هذه السنة تحت شعار «مغاربة العالم، مساهمة في خدمة أوراش المغرب 2030»، وهو شعار يضع الجالية المغربية في قلب التحولات التي يعرفها المغرب، ويفتح النقاش حول سبل إشراك الكفاءات والطاقات المغربية المقيمة بالخارج في الأوراش الكبرى التي تستعد المملكة لمواصلة تنزيلها خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تبدو الفقيه بن صالح أمام فرصة لتعزيز صلتها بأبنائها في الخارج، ليس فقط باعتبارهم أفراداً ينتمون إلى الإقليم، وإنما باعتبارهم طاقات يمكن أن تساهم في صناعة دينامية جديدة تقوم على الاستثمار والابتكار وتبادل التجارب والانفتاح على الأسواق والخبرات الدولية.
وتتجاوز هذه الدينامية المجال الاقتصادي لتشمل مجالات الثقافة والفن والتعليم والبحث العلمي والرياضة والعمل الجمعوي، بما يسمح بتحويل علاقة الانتماء والحنين إلى جسور عملية للتعاون، ويجعل من مغاربة العالم شركاء في بناء صورة أكثر إشعاعاً للإقليم، وفي التعريف بمؤهلاته وفرصه وإمكاناته.
ولعل القيمة الرمزية للمناسبة تجسدت بشكل واضح في لحظة تكريم الفنانين والكفاءات المقيمة بالخارج، حيث التقت مسارات النجاح التي صنعت في بلدان المهجر بذاكرة المكان الذي انطلقت منه الأحلام الأولى. إنها لحظة تؤكد أن مغادرة الوطن لا تعني مغادرة الانتماء، وأن المسافة مهما اتسعت تظل عاجزة عن قطع الصلة بين الإنسان وأرضه الأولى.
وبذلك، قدمت الفقيه بن صالح من خلال تخليد اليوم الوطني للمهاجر صورة مختلفة للاحتفاء بمغاربة العالم؛ صورة لا تتوقف عند مظاهر الاستقبال والتكريم، وإنما تضع أمامها سؤال المستقبل: كيف يمكن تحويل الطاقات المغربية المنتشرة عبر العالم إلى قوة اقتراح واستثمار وخبرة، وكيف يمكن للإقليم أن يستفيد من أبنائه كما يستفيد أبناؤه من الانتماء إليه؟
إنها معادلة تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل التحولات التي يعرفها المغرب، حيث لم يعد مغربي العالم مجرد ابن يعود إلى مدينته في فصل الصيف، بل أصبح شريكاً محتملاً في التنمية، وحاملاً لخبرة وتجربة وعلاقات يمكن أن تسهم في بناء جسور جديدة بين الفقيه بن صالح ومختلف فضاءات العالم.
ومن هنا، اكتسبت مناسبة العاشر من غشت بالفقيه بن صالح بعدها الإنساني والوطني والتنموي، لتؤكد أن أبناء الوطن في الخارج يظلون جزءاً أصيلاً من قصته، وأن تكريمهم لا يستحضر فقط ما أنجزوه بعيداً عن أرض الوطن، بل يفتح أيضاً الباب أمام ما يمكن أن يقدموه لوطنهم وإقليمهم في المستقبل.