عندما تلتقي حرفة الجدات بذكاء التقنية المعاصرة، تولد لغة فنية تحدثنا بلطف عن الهوية والانتماء. هذا هو جوهر الرحلة التي قادت لوحات الفنانة التشكيلية رشيدة هموش من مواليد الدار البيضاء، إلى قلب قلعة مكونة وبومالن دادس ، حيث تم تقديم تجربتها الاستثنائية في فن “التوفتينغ” (Tufting)، ضمن فعاليات مهرجان جمعية انازور للابداع، في حضور نوعي سلط الضوء على امكانات الفن النسجي في حمل روايات الهوية الثقافية.

تقنية التوفتينغ: حيث يصير الخيط كلمة واللوحة سجلاً
اختارت رشيدة هموش التخصص في فن “التوفتينغ” – وهو تقنية معاصرة تنتمي لعائلة فنون النسيج (Textile Art) – لتكون وسيطها الامثل للحوار مع التراث. تعتمد هذه التقنية على استخدام مسدس التوفتينغ (Tufting Gun)، لغرز خيوط من الصوف أو القطن أو الاكريليك في قماش مشدود على نول، مشكلة سطحا ناعما كثيفا يمكن تحويله إلى سجاد فاخر أو لوحات جدارية ذات بعد ثالث. لكن هموش حولت هذه الاداة التقنية إلى ريشة فنان ولسان مؤرخ؛ فبدلا من تصاميم مجردة، تملأ لوحاتها برموز “تيفيناغ”، واشكال الزخارف الهندسية الامازيغية، وتقاطيع الوجوه التي تحمل حكمة الجبال، مستخدمة لوحة الوان مستلهمة من طبيعة الاطلس: الاصفر الدافئ للشمس، الازرق العميق للسماء الصافية، والاخضر الذي يلمع بعد المطر.

المراة والذاكرة: حارسة اللغة ناقلة الارث
لا تنفصل التقنية عن المضمون في مشروع رشيدة هموش. فموضوع المراة يحضن كعنصر مركزي في اعمالها، ليس كصورة جمالية فحسب، بل كـ “حارسة للغة والذاكرة“ وناقلة للارث الثقافي عبر الاجيال. في لوحاتها، تظهر المراة حاملة رموز النسيج والتطريز، او محاطة بحروف تيفيناغ، وكأن الفنانة تؤكد على الدور التاريخي للمراة الامازيغية في صون الهوية ونقلها بطريقة حية وعضوية. تجسد الاعمال هذه الفكرة ليس عبر الواقعية التصويرية، بل عبر تركيب الرموز والالوان والنسيج لخلق صورة شبه تجريدية تحمل شحنة عاطفية ورمزية قوية.

قراءة في المنصة: فاطمة الزهراء اودالي توتطر الحوار
كان تقديم هذه الاعمال وقراءتها النقدية على عاتق الفاعلة الجمعوية فاطمة الزهراء اودالي، التي ابرزت في كلمتها “بعد المشروع البحثي والتوثيقي الذي تخفيه نعومة الخيوط وبهاء الالوان”. ووضحت اودالي ان “رشيدة هموش لا تستحضر الماضي للمجرد الحنين اليه، بل تعيد تشكيل رموزه بلغة معاصرة تفاعلية، تجعل المشاهد يقبل على التراث من باب الجمال والابداع اولا. اختيارها لفن التوفتينغ – وهو فن حرفي في جوهره – هو احياء لفلسفة ‘الصنعة’ الامازيغية الاصيلة ولكن بادوات العصر”.

من مهرجان “انطلاقة” الى بومالن دادس : مسار فني متصل
سبق لرشيدة هموش ان قدمت لمحات من هذا المشروع في مهرجان جمعية انطلاقة، حيث بدات في بلورة حوارها الخاص بين التقنية والمضمون. لكن عرض اعمالها في فضاء دار الثقافة ببومالن دادس تحت مظلة جمعية انازور للابداع، منح التجربة بعدا مكانيا مكملا للبعد الزماني الذي تخوض فيه. فالجدران الحجرية القديمة اصبحت حاضنة الوان ناعمة حديثة، في تعايش جميل يلخص فكرة الاستمرارية والتجذر.
ختاما:
تمثل تجربة رشيدة هموش في مهرجان انازور للابداع نموذجا ملهم لكيفية توظيف الادوات الفنية العالمية لاعادة انتاج الخطاب الثقافي المحلي بطريقة خلاقة. لقد نجحت، من خلال اتقانها تقنية “التوفتينغ“، في تحويل الخيط إلى كلمة واللون إلى حكاية، مؤكدة ان هويتنا ليست حبيسة المتاحف، بل هي مادة خصبة قابلة لان تنسج من جديد في كل عصر، بحس فني يقظ ووعي ثقافي عميق.
د.عمر ايت سعيد