المخطط الاستراتيجي بالمغرب نموذج للتنمية أم نموذج للنمو؟

آخر تحديث : الأربعاء 8 يناير 2020 - 10:26 مساءً
رشيد الحبوبي

                            فشل النخب أم إفشال النخب؟

   بعد الإقرار بفشل النموذج التنموي بالمغرب؛ والرغبة في بناء نموذج جديد، الذي عرف كثيرا من البهرجة والهلوسة والفنطازية من طرف الأحزاب قاطبة والنخب أيضا أكانت أكاديمية أو مدنية من خلال هيئات المجتمع المدني. واقع شرعن لمنهجية الميوعة الفكرية والسياسية في المقاربة، بدون أية مباردة جادة تسعى إلى المساهمة في بلورة تصور واضح حول قضية تهم جميع المغاربة من خلال خدمات صحية ومناهج تعليمية منتجة، وفرص للشغل تضمن العيش الكريم لكل مواطن مغربي في ظل دولة الحق والقانون.

   واقع أفضى إلى “اجتهاد” الفاعلين لبلورة خطابات وخطاطات سواء عبر مقالات أو كراسات أو كتيبات أو مطويات… اعتمادا على مقاربات بعيدة عن مناهج البحث العلمي، وبالتالي نشاز من الكلام المتطاير هنا وهناك وأجواق من العازفين على أوثار مُخبلة لمفهوم التنمية أكثر مما هي كاشفة للاختلالات المجالية وسياقاتها المحدَدة بالمهددات المحيطة، والفرص المتاحة. ناهيك عن مقاربة الإمكانات والاكراهات؛ ولا يحق لأحد المزايدة على الآخر في شأنها، وهي النهوض بحقوق المواطن نحو الواجب، بمعنى أن الدولة هي الضامن للحقوق، ومن حق المواطن على الدولة صيانة واجباته من صحة وتعليم وتشغيل، كمؤشرات أساسية في تنمية الشعوب.

   واقع يتطلب انخراط الجميع داخل تكتلات وتحالفات بالنسبة للأحزاب وتنسيق وتقاطع والتقائية بين باقي الفاعلين، فعل لم ولن يتحقق نتيجة للتراكم التاريخي الذي صب في إضعاف الفعل السياسي الذي تحول إلى فعل متعهر، يلبي رغبات لمن يدفع أكثر، وتدجين النخب، مع هرولة ما يسمى بالمجتمع المدني نحو تقاسم كعكة الريع.    واقع جعل هذا الشتات الحاصل يكرس للفشل الذريع في مؤشر التنمية وانعكاساته الوخيمة على النمو الهش للاقتصادي الوطني، كنتيجة حتمية لخضوع الجميع للعب دور داخل مسرحية النظام السياسي المغربي التي يحسن استخراجها الدولة المخزنية، أو ما يسمى بالدولة العميقة وهي أيضا عميقة من حيث لجمها للإقتصاد والسياسة والفكر، وبالتالي المجتمع.

     التغيير ظاهرة حتمية

   إن التحولات التي تعرفها البنية الاجتماعية المغربية في تركيبتها الطبقية وتفاعلها مع التغيرات العالمية فرضت على النظام الاجتماعي تغيرا في القيم ونمط العيش، نتج عنه بعض التصدعات لم تصل إلى حد الانشطار بل لازالت في حالة تفاعل، كما وقع مع حركة 20 فبراير حيث احتضنت مطالبها من طرف النظام السياسي وصيغت في وثيقة دستورية، هلل لها الجميع لسببين 1- لضمانها مبادئ أولية تؤسس لدولة الحق والقانون ؛ 2- لطبيعة صياغتها باعتماد لجنة تقنية أوكلت لها مهمة انجاز تشخيص تشاركي، واسترجاع نتائجه للفرقاء، إذ توج هذا العمل بإعداد الوثيقة الدستورية التي لم تكن ممنوحة حسب كثير من المهتمين.

  ظلت وثيقة الدستور في الرفوف ولم يتم تفعيل كثير من النصوص القانونية التي تساهم في صيانة بناء دولة الحق والقانون فاستمر الوضع على ما هو عليه سيرا على نهج التعليمات مما ساهم في تكريس مزيدا من التخلف والتقهقر في الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وشغل.

  الحاجة إلى بديل سمي بالمخطط الاستراتيجي للتنمية

   إن التحولات المهمة التي يعرفها المغرب والتي تتميز بين المد الجزر (حرية التعبير/الحق في الشغل، والعيش الكريم/ الحق في التعليم/ الحق في العلاج…أي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما رافقها ويرافقها من نقاشات حول القوانين والتي تذهب إلى حد إعادة صياغة الدستور. ارتأت الدولة أن تقوم بالريادة كما العادة بتدخل من الملك من أجل إعادة بناء نموذج تنموي جديد حيث شكلت لجنة لهذا الغرض تضم 35 فردا ومن حسناتها أنها لم تضم في عضويتها فاعلين سياسيين أو مهتمين بالقانون حتى لا تزيغ عن ما مسطر لها، بل يمكن القول إن اللجنة ستشتغل على الذكاء المجالي من حيث ضمها لخبراء وخبيرات في الذكاء، وبالتالي هي ليس ملزمة باستنساخ منهجية اللجنة المكلفة بالدستور باعتبار أن هذه الأخيرة كانت تقنية في حين لجنة المخطط التنموي هي فاعل ولها دور في بناء هذا الذكاء المجالي وفق التصور الذي رسم لها. وهنا يكمن الاشكال ماذا نريد؟ هل تنمية للمجتمع المغربي أم نمو للشركات العاملة في المغرب والعابرة للقارات؟ فنحن أمام خيارين متوازيين، خيار يخدم تطلعات الشعب وخيار يخدم أغنياء المغرب وهو ” الحجر الأساس للنموذج التنموي المتجدد الذي يراد رسم معالمه بغية تنويع مصادر خلق الثروة الوطنية وتوسيع دائرة الاستفادة منها لتشمل كافة الشرائح الاجتماعية والمجالات الترابية” كما جاء في كلمة رئيس اللجنة في أول اجتماع لها يوم الاثنين16 دجنبر 2019، أمام هذا الوضع المتسم بالعولمة للاقتصادات العالمية فالبعض من داخل اللجنة قد يعتبر اللجوء إلى الاقتراض من الأبناك أو صندوق النقد الدولي فرصة في حين البعض يعتبره مهددا، وهنا يكمن التناقض الجوهري.

   مثلا الثروة المائية، فلا يقبل أن المغرب يضم حوالي 3500كلمترا من الساحل أي من المياه ويعاني من ندرة المياه. إنه التناقض خصوصا أن كثيرا من المناطق تفتقر حتى لماء الشرب ناهيك عن ماء السقي ؛ علما أن المغرب رصد اعتمادات مالية مهمة لاستغلال فرشاته المائية التي تراكمت عبر ملايين السنين يتم استنزافها في مدة زمنية محدودة مقابل عائدات ريعية استنزفت الماء وقلصت من فرص الشغل حسب المندوبية السامية للتخطيط عبر نشراتها الدورية، ناهيك عن الاستغلال المفرط للمياه في الاقتصادات الاستراتيجية كالمناجم وأيضا في الطاقات المتجددة مشروع النور بدون التفكير في بدائل كمياه البحر – فالتكنولوجية متوفرة ولا ينقص سوى الإرادة، فهذه الإمكانيات المستنزفة للثروة المائية تطرح كثيرا من الإكراهات المستعصية على الحل في المستقبل القريب أمام التغيرات المناخية، وأمام اجتثاث الغابات التي تحافظ على التربة والمياه التي تغذي العيون والوديان، يفسره البرامج التي يمولها الاتحاد الأوروبي بالمغرب والتي تخص علمية تشجير الغابات التي تشكل للصناعات بأوروبا فرصة لامتصاص التلوث البيئي أي كل مشروع ملوث للبيئة يفرض الاتحاد الأوروبي نسبة من التشجير بالبحر الأبيض المتوسط على حساب المشروع.    إذن هل مصلحتنا في مراعاة مصالح الوطن؟ أم مصالح المستوطن لثرواتنا وخيراتنا أمنا فرنسا؟ هل نحن أمام مخطط استراتيجي للتنمية؟ أم للنمو؟

              رشيد الحبوبي: إطار إداري و كاتب صحفي             

2020-01-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

موسى عزوزي