انفجار بيروت….صمود الخرسانة العثمانية أم صمود الشعب اللبناني والمقاومة؟

آخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2020 - 1:03 صباحًا
انفجار بيروت….صمود الخرسانة العثمانية أم صمود الشعب اللبناني والمقاومة؟
لحسن بلعيد

أدى انفجار ضخم بمرفأ بيروت اللبنانية ( 4 غشت 2020)إلى سقوط أزيد من مئة قتيل وآلاف الجرحى، ناهيك عن خسائر مادية كبيرة في البنايات والممتلكات وتشريد عشرات الألف من الأسر بمحيط الانفجار الذي تجاوز قطره الكيلومترات. الانفجار تضاربت الآراء والأنباء حول أسبابه ومسبباته بين من رجح فرضية المؤامرة والعدوان وبين من رجح كفة الأخطاء البشرية والتي كلها تجتمع على عنصر أساسي فيها ومشترك هو مادة نترات الأمونيوم المخزنة بأحد مخازن المرفأ منذ ست سنوات بعد حجز سفينة محملة بهذه المادة الخطيرة (أطنان من مادة نترات الأمونيوم) وإفراغها هناك لأسباب متعددة  تقنية وقانونية…..

الفاجعة التي حولت بيروت إلى مدينة منكوبة دفعت من خلالها الحكومة إلى إعلان الحداد وطلب المساعدة الدولية، لقت تضامنا واسعا من مختلف الدول الإسلامية والعربية والغربية والتي تفضلت بتقديم مختلف أشكال الدعم والمساعدة.

الحادث الفاجعة لم يخل من تضارب الآراء وردود الافعال والأقوال سياسيا وإعلاميا محليا ودوليا بخصوص أسباب الانفجار والجهات المفترض ضلوعها فيه، إذ سارع الشامتون في المقاومة وحزب الله إلى محاولة تحميل الحزب مسؤولية الانفجار بشكل مباشر أو تلميحا باعتبار الانفجار وقع في مخزن للأسلحة تابع لتنظيم المقاومة، حسب هذا الاتجاه في محاولة لاصطناع فتنة بين المقاومة وجمهورها والمجتمع اللبناني الصامد والمقاوم، بغاية تقليم أظافرها ونزع سلاحها ليعيش الكيان الصهيوني في أمان، حسب أنصار هذا الحزب. أمين عام الأخير نفى نفيا قاطعا أية علاقة من قريب ومن بعيد بالمرفأ وكونه غير تابع له. من جهة ثانية  رجح طرف آخر فرضية العدوان الصهيوني الذي لمح غير ما مرة إلى دور هذا المرفأ في تزويد المقاومة بالأسلحة ومن خلالها دولة سوريا، إلى جانب كون شدة الانفجار بسبب هذه المادة ترجح تأجيجه بمادة أخرى قد يكون صاروخا أو أشعة لايزر…….. بينما طرف ثالث رجح فرضية المسؤولية البشرية في الانفجار بترك تلك المادة مخزنة بالمرفأ لسنين مع معرفة خطورتها. كل هذا دفع الحكومة والدولة اللبنانية لفتح تحقيق استعجالي لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، بينما الأمم المتحدة وضعت أجهزتها رهن إشارة لبنان لفتح تحقيق دولي إذا ما طلب منها ذلك.

في الجانب السياسي شكلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت غداة الانفجار وبشكل مستعجل، أبرز المحطات واللحظات التي شدت انتباه الإعلاميين والمحللين والمتتبعين، ليس لسرعة الزيارة فحسب باعتبار لبنان كانت وربما لاتزال مستعمرة فرنسية وحليفة استراتيجية لها بالشرق الأوسط، ولكن للاستقبال الحار الذي تلقاه من اللبنانيين وسط بيروت وجرأة تناوله الأوضاع الاقتصادية والسياسية وتوجيه الاتهامات المبطنة للساسة اللبنانيين. الاستقبال هذا لا يخلو من دلالات خصوصا في جانب استجداء اللبنانيين لفرنسا ورئيسها ومطالبتهم علنا بعودة الاستعمار الفرنسي( المباشر طبعا، لأن الأخير قائم في شكله غير المباشر)، توج المطلب هذا بتوقيع عريضة من طرف آلاف المواطنين لهذا الغرض.

زيارة الرئيس الفرنسي لبيروت ومطالبة بعض الشعب اللبناني بالاستعمار الفرنسي جوبهت بنزال إيديولوجي إعلامي وسياسي في القطب الآخر، إذ سارع الإعلامي بقناة الجزيرة أحمد منصور للتدوين بخصوص انفجار بيروت قائلا: “صوامع الحبوب الخرسانية هذه هي الوحيدة التي صمدت أمام قوة الانفجار وعملت كمصدات حمت الأبراج التي خلفها. بناها العثمانيون حينما قاموا بتجديد الميناء قبل 150 عاما مرفأ لبنان بناه العثمانيون.. هذا هو الاستعمار التركي؟ !”. هذه التدوينة  وما تبطنه، جرت على هذا الصحفي سيلا من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي بين من اتهمه بتجاهل الحقائق التاريخية (تاريخ بناء الأبراج ومن بناها) وبين من اتهمه ” بأتباع وبتبجيل الخلافة المزعومة” والمتحمس لتأليهها أكثر من رجال الخلافة نفسها وتمجيد العثمانيين بما ليس فيهم وبما لا يهم تاريخيا ومنطقيا كما جاء على موقع (mobtada.com)… وحتى وإن عاد الصحفي لاحقا لحذف التدوينة والاعتذار كواجب للمتابعين  عن نعمة الأخطاء، ودفاعا عن الخلافة وليس عن الاتراك حسب تدويناته اللاحقة، فإن تدوينته الخالية من أي ترحم على الضحايا ولا أي تضامن مع الشعب اللبناني أثارت الاستغراب. فهو اختار لمزا الرد على الاستعمار الفرنسي المنشود من طرف بعض اللبنانيين بطرح بديل الخلافة العثمانية والتنويه بها، والتي صمدت أبراجها الخرسانية في وجه الانفجار الشديد.

صمود صوامع الحبوب الخرسانية هو هم الصحفي بقناة الجزيرة والأهم عنده هو من بناها منذ أزيد من 150 عاما (العثمانيون طبعا)، وهو الاهتمام الذي لا يخلو من دوافع سياسية وإيديولوجية خصوصا وأن مسألة الخلافة طفت مجددا لواجهة بمناسبة التدخل التركي العثماني في ليبيا عبر مرتزقة مستقدمين من بقايا الحرب في سوريا كدولة مجاورة للبنان المنكوبة، وتبشير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أتباعه بالخلافة في نسختها الثانية؟

الغائب عند صحفي الجزيرة هو أن الأبراج الخرسانية حتى وإن بناها العثمانيون وصمدت في وجه الانفجار الضخم، فإن الثقافة والفكر الذي بنته الخلافة، إن تم طبعا،  لم يصمدا والدليل على ذلك هو مطالبة جزء من الشعب اللبناني واستجداءه الاستعمار الفرنسي العلماني  بدل استجداء الخلافة العثمانية أو مهدها تركيا ورئيسها أردوغان، ناهيك دلالة الاستجداء أصلا. وهنا يتبين مدى الحاجة لبناء العنصر والفكر والثقافة البشرية أولا قبل بناء الخرسانة، وهي معضلة معظم الشعوب والامبراطوريات والأمم التي تهمش بناء الفكر والإنسان وبالتالي يكون لقمة سائغة في أي وقت في فم قوى استعمارية قد تكون الخلافة العثمانية في نسختها الثانية أحدها. فصمود المعالم التاريخية (أهرامات مصر مثلا) لا يعني صمود الحضارات للتذكير…

قد يبدو لدى البعض أن صمود الأبراج الخرسانية العثمانية؟ في وجه الانفجار العنيف بلبنان أهم من صمود الشعب اللبناني في مختلف النكبات عبر التاريخ، ومقاومته في وجه الغطرسة والاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، هذه المقاومة التي تشكل دوما شوكة في حلق القوى الامبريالية والصهيونية ووكلائها الرجعيين، كما شكلت (المقاومة) صمام أمان للدول العربية أمام الصهيونية وإلا كانت هذه الكيانات التبعية في خبر كان وسهل مشروع الصهيونية من النهر إلى البحر.

صمود الشعب اللبناني وصمود المقاومة شكل ميزان ردع متبادل جعل الكيان الصهيوني يجنح للسلم خداعا على الأقل وليس للسلام والاستسلام وهو ما أكده مسؤولوه مؤخرا” لا أحد يريد الحرب..” بينما لم يشكل صمود الأبراج الخرسانية أي تأثير على موازين القوى.

لقد شكل صمود الخرسانة العثمانية والخرسانات بالدول العربية والإسلامية بدل صمود الوعي والثقافة والفكر والقناعات والقيم والديموقراطية…  أحد أسباب تخلف هذه الدول وتبعيتها الدائمة وغرقها في حروب بالوكالة لفائدة الصهيونية والإمبريالية ووكلائها الرجعيين، وتحول معظم شعوبها لعبيد الإمبريالية الاستعمارية والذي أكده استجداءها ومطالبتها بالاستعمار الغربي والحنين له، رغم أن الأخير لايزال قائما بهذه الدول (ثقافة وفكرا وسياسة وتبعية..) منذ الاستقلال الشكلي وبطريقة ذكية دون خسائر ولا تكاليف، أو استعمارا بصيغة أخرى أكثر لطفا كالخلافة والتي فشلت سابقا.

إنه صمود لبنان وشعبه ومقاومته وليس صمود الخرسانة. صمود لبنان في وجه الابتزاز والمؤامرة الغربية الرامية لتجويعه وتركيعه ومساومته بالمقاومة (المقاومة مقابل الخبز) وجعله يذعن لصفقة القرن والقبول بالتوطين وبمعاهدات السلام مع الكيان الصهيوني واللحاق بالدول المطبعة والمنبطحة.

صمود بلد أمام أوجاع يعاني منها مؤخرا من تداعيات أزمة اقتصادية خانقة لا تخلو من مؤامرة وابتزاز واستقطاب سياسي حاد في مشهد تتداخل في اطراف إقليمية ودولية. بلد يعيش مأساة ثلاثية الأبعاد، اقتصادية سياسية اجتماعية من جهة وتفجيرات (نكبة) من جهة ثانية والوباء اللعين(كورونا) من جهة ثالثة. هذا هو الصمود الحقيقي وليس صمود الخرسانة

غير معروف
EL GHAZZI

2020-08-09 2020-08-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

EL GHAZZI