خديجة بوشخار.
في مبادرة ثقافية ذات بعد إنساني عميق، احتضنت مدينة إفران لقاءً متميزًا خُصص للاحتفاء بكبار التجربة والعطاء، أولئك الذين أسهموا، بصمت وحكمة، في تشكيل ملامح المدينة وصيانة ذاكرتها الجماعية. المبادرة نظّمتها جمعية جذور الأمل بشراكة مع مكتبة محمد السادس بجامعة الأخوين، وجاءت لتؤكد أن التنمية لا تنفصل عن الاعتراف بالإنسان وتاريخه.

وكان اللقاء، الذي نُظم في أجواء طبعتها الرمزية والدفء الإنساني، قد شكّل فضاءً للتفكير الجماعي في تاريخ إفران والأطلس المتوسط، من خلال ندوة علمية شارك فيها أساتذة وباحثون، قدّموا قراءات تحليلية في التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المنطقة، مع إبراز مكانة كبار السن باعتبارهم خزّانًا للمعرفة والتجربة وذاكرة حية للمجتمع المحلي.

ولم يقتصر الحدث على النقاش الأكاديمي، بل انفتح على البعد التوثيقي، عبر عرض صور أرشيفية نادرة عكست مراحل من تاريخ المدينة، واستحضرت وجوهًا ورموزًا صنعت جزءًا من هويتها، رغم رحيل كثير منهم. صور أعادت الاعتبار للذاكرة البصرية كمدخل أساسي لفهم التحولات المجالية والاجتماعية.
وفي إطار رمزي دال، التأم المشاركون داخل “الخيمة الأطلسية”، حيث تحوّل اللقاء إلى فضاء للشهادة الحية، تقاسم خلالها قدماء الساكنة قصصهم وتجاربهم، مانحين للحظة بعدها الإنساني العميق، ومؤكدين أن التاريخ لا يُكتب فقط في الوثائق، بل يُروى أيضًا عبر الذاكرة الشفوية،وهي بادرة مميزة الهدف منها احياء دور الشهادة الشفوية كاسلوب ووثيقة حية الحفاظ على التاريخ وتوثيقه.

وقد عرفت الفعالية تفاعلًا واسعًا واستحسانًا كبيرًا من قبل الحاضرين، تُوّج بتكريم المحتفى بهم وتقديم هدايا رمزية، في تعبير صادق عن الامتنان لما قدموه من عطاء وتضحيات. كما عكس التنظيم المحكم والانخراط الجماعي نجاح هذه المبادرة على المستويين الثقافي والإنساني.
وساهم في إنجاح هذا اللقاء عدد من الشركاء والمؤسسات، من بينها جامعة الأخوين، ومكتبة محمد السادس، والمجلس الإقليمي، إلى جانب فعاليات جمعوية محلية، كما لبّى الدعوة مشاركون قدموا من مدن فاس والرباط ومكناس وتازة، رغم الظروف المناخية الصعبة، كتعبير منهم على أهمية الحدث وقيمته الرمزية.
وتندرج هذه المبادرة في إطار رؤية ثقافية تسعى إلى تثمين الذاكرة المحلية، وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره فاعلًا مركزيًا في بناء المدينة وصون هويتها، ورسالة واضحة تؤكد أن إفران، وهي تنفتح على المستقبل، لا تنسى جذورها ولا من صنعوا تاريخها.