بقلم: خديجة بوشخار.
ليست كل الصور تمر مرور الكرام، فهناك صور تتحول إلى أسئلة، وأسئلة تتحول إلى قضايا وطنية تستحق التأمل. ومن بين أكثر المشاهد إيلامًا التي عاشها المغاربة خلال الأيام الأخيرة، تلك التي وثقت اندفاع شباب مغاربة، بعضهم حفاة أو في أوضاع صعبة، نحو البحر، في محاولة للهجرة غير النظامية، في تزامن لافت مع احتفالات المملكة بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد.
هذا التزامن وحده كان كافيًا ليمنح المشهد بعدًا رمزيًا، ويجعل كثيرين يتساءلون: هل هو مجرد تزامن زمني؟ أم أن الصورة تحمل رسائل أعمق ينبغي التوقف عندها؟ ليس لأن أحدًا خطط لها بالضرورة، بل لأن وقعها في الوعي الجماعي كان قويًا.
في الوقت الذي كانت فيه الساحات العمومية تحتضن الاحتفالات، وترتفع الأعلام الوطنية، وتعكس المناسبة ما تحقق من منجزات ورهانات مستقبلية، كانت عدسات الهواتف تنقل مشهدًا آخر لشباب يضعون أرواحهم على كفهم، وكأنهم يعلنون، بطريقتهم الخاصة، أنهم يبحثون عن أفق آخر.
قد يختلف الناس في تفسير هذه المشاهد، لكنهم يتفقون على أنها لا ينبغي أن تُستقبل باللامبالاة. فالهجرة غير النظامية ليست قرارًا يُتخذ في لحظة عابرة، بل غالبًا ما تكون نهاية مسار طويل من الإحباط أو الشعور بانسداد الأفق لدى بعض الشباب، مع اختلاف الأسباب من شخص إلى آخر.
هل كانت تلك المشاهد رسالة؟ ربما لا يمكن الجزم بذلك، لكن من المشروع أن نتساءل: أليست كل الظواهر الاجتماعية الكبرى تحمل في طياتها رسائل، حتى وإن لم تُصغ في كلمات؟ أليست الأجساد التي تركض نحو البحر تقول شيئًا عن حجم التطلعات، أو عن الإحساس بالضيق الذي يعيشه بعض الشباب؟ وهل يكفي أن ننظر إلى المشهد من زاوية أمنية فقط، أم أن الأمر يستدعي أيضًا قراءة اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية؟
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع وبنيات تحتية، بل أيضًا بقدرتها على الإنصات لنبض مجتمعها، وخاصة لشبابها. فحين يشعر الشاب بأن وطنه يمنحه فرصة عادلة للتعلم والعمل وتحقيق الذات، يصبح أكثر تمسكًا بأرضه وأكثر إيمانًا بمستقبله داخلها.
وليس من الإنصاف أن تُختزل صورة المغرب في مشهد واحد، كما ليس من الحكمة أن تُهمَل مثل هذه الصور لأنها قد تكشف عن تحديات حقيقية تحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول. فالمغرب حقق مكاسب مهمة في مجالات متعددة، لكنه، كغيره من الدول، يواجه أيضًا تحديات مرتبطة بتشغيل الشباب، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وهي ملفات تستحق مواصلة العمل عليها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مثل هذه المشاهد إلى صور عابرة تُستهلك على منصات التواصل الاجتماعي ثم تُنسى. أما الأكثر حكمة فهو أن تُقرأ باعتبارها دعوة إلى التفكير، وإلى تعميق الحوار حول انتظارات الشباب، وكيفية تعزيز الثقة في المستقبل داخل الوطن.
قد لا تكون تلك المشاهد رسالة مكتوبة، لكنها بالتأكيد فتحت بابًا واسعًا للأسئلة. والأسئلة، مهما كانت مؤلمة، تظل بداية البحث عن الأجوبة. وعندما يختار بعض أبناء الوطن ركوب المجهول، فإن المسؤولية الجماعية تقتضي ألا نكتفي بإدانة الفعل أو التعاطف مع أصحابه، بل أن نسأل: ماذا يمكن أن نفعل حتى يصبح الأمل في المستقبل أقوى من إغراء الهجرة، وحتى يبقى البحر في نظر شبابنا فضاءً للحياة لا بوابةً للمخاطرة؟