د.نادية بيروك حوار ورأي

آخر تحديث : السبت 18 يناير 2020 - 1:27 صباحًا
 د.نادية بيروك حوار ورأي
محمد شجاري

الدكتورة نادية بيروك: من مواليد مدينة أكادير. حاصلة على دبلوم الدراسات المعمقة من جامعة تولوز لوميراي 2 في الأدب الفرنسي المقارن. وحاصلة على الدكتوراه في الأدب الفرنسي المعاصر في نظرية التلقي من جامعة غين 2 بفرنسا. حاصلة على دبلوم المدرسة العليا للأساتذة بمكناس وعلى الإجازة في الأدب الفرنسي جامعة إبن زهر بأكادير. د. نادية بيروك: كاتبة، ناقدة، شاعرة وقاصة باللغتين العربية والفرنسية كما لها العديد من الهوايات أبرزها التصوير الفوتوغرافي والرسم. رغم أنها بدأت الكتابة وهي طفلة. لكنها لم تستطع نشر بعضا مما تكتبه إلا في السنوات الأخيرة خاصة في ديار الغربة. تأمل التعامل مع ناشر من المغرب  لتطرح كتبها في الأسواق المغربية لعل القارئ المغربي يجد فيها ضالته. حاليا د.نادية بيروك تدرس الأدب الفرنسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق جامعة الحسن الثاني بالبيضاء. أستاذة للغة الفرنسية منذ سنة 1998. خبرت الثانوي والتدريس فيه لمدة ستة عشر سنة قبل أن تلتحق بالجامعة سنة 2014 بعد نجاحها في مباراة مستحقة.

في هذا اللقاء سألناها عن رأيها في مواضيع ثقافية آنية وكانت هذه أجوبتها.

 

حدثينا عن علاقة المبدع بإبداعاته والجمهور؟

هذا يرتبط بنوعية المبدع وجودة أو رداءة ما يبدعه: الرسام يعرض لوحاته ويفرض على الجمهور الفرجة والتواصل البصري قبل التواصل الشفهي والمساومة على ثمن اللوحة. فن الشارع: من غناء ورقص وموسيقى ومسرح وميم وحكي قصص واستعراض… فن الشارع , وما أحوجنا إلى المزيد منه, هو إبداع مباشر, تطوعي, مدروس ودقيق. لكنه غير منظم. أظنه الأكثر صدقا  والذي يمكن أن نجده في بعض شوارع البيضاء أو ساحات مراكش وفاس والذي خلق أول الأمر من أجل الاسترزاق والذي أصبح فيما بعد, ملا ذا لبعض رواد التغيير الذين يؤمنون أن الفن يجب أن يذهب إلى الجمهور لا أن يذهب الجمهور إليه… هذا الإبداع يحاول أن يتواصل مع جمهور عشوائي من جميع الشرائح ليعرض عليه عملا معينا بغية توعيته ولفت انتباهه إلى واقعه, إلى أحلامه وتطلعاته واهتماماته… وغالبا يلقى تجاوبا واستحسانا حتى من الجمهور الأجنبي. اليوم وسائل التواصل فتحت بابا كبيرا على مصراعيه لكل أشكال الإبداع أغلبها غير مصنفة وغير أكاديمية. لكن لها جمهورا عالميا غير متوقعا وبعض أصحابها رغم تفاهة ما يقدمونه على شبكات التواصل الاجتماعي بلغوا العالمية وحصدوا الملايين. هذا يجب أن يجعلنا نفكر أكثر في إعادة تعريف الإبداع والمبدع وكذا ما يبدعه وأعتقد أن ذلك غير ممكن, لأن الإبداع لا حدود له ولا سن له ولا شكل محدد له. قد يبهرك الصغير ويأسرك ويضحكك الكبير أو يبكيك وقد يستفزك ويغضبك لأن المتلقي مختلف فكرا وثقافة ومستوى وما يقبله هذا يرفضه ذاك وما يحظى باهتمام هاته, تشمئز منه تلك. بالنسبة للإبداع الأدبي ذلك موضوع آخر. الكاتب عادة لا يختار جمهوره ولا يعرفه. يكتب لنفسه قبل غيره. ويخضع لضوابط النشر وشروط الناشر الذي يأخذ معظم حقوق النشر والتوزيع  مع استهداف جمهور معين نخبوي عامة ومحدود…                                               

ماهو دور المؤسسات الثقافية اتجاه المبدع؟ 

 مهما كانت المؤسسات المتواجدة حاليا لن تقوم لها قائمة إذا تغاضينا عن دور الأسرة والمدرسة في تكوين جيل المستقبل. أظن أن هنالك مؤسستين ثقافيتين هامتين لا أومن بغيرهما وهما الأسرة والمدرسة ودورهما الأساسي في بناء مثقف الغد. إذا صلحت المدرسة والأسرة وأعطت كل واحدة منهما للطفل سبل التعلم العادل والإبداع والخلق والابتكار بعيدا عن بؤرة التقاليد والعادات والفكر الرجعي والطابوهات… مع ضمان تكافؤ الفرص والنزاهة والتأقلم مع متغيرات العصر وتعلماته وتكنلوجيته وسرعة انتاجيته ومتطلباته ومستجداته, مع الاهتمام بصحة الطفل النفسية والعقلية والصحية -أنثى كان أو ذكرا- والعمل على تحفيز الجنسين من أجل البناء والخلق والعمل الهادف في إطار احترام الحريات الفردية وحقوق الإنسان الكونية وتجريم المساس بها جملة وتفصيلا, حيث يكون الفيصل هو الكفاءة والمبادرة والمردودية والندية بعيدا عن الخلافات الشكلية والصراع المفتعل الذكوري من أجل هيمنة سخيفة وباطلة تعيق التطور.. عندها فقط, سنخلق جيلا واعيا قادرا على إنشاء ومحاسبة المؤسسات الثقافية وتفعيلها وتنشيطها والمشاركة الفعالة المتكافئة فيها المبنية على المنافسة والخلق والإبداع الذي يرقى بالذوق العام والعقل والفكر, ويحرره من قيود التبعية والتخلف والتفاهة التي أصبحت تحكم المشهد العام وتتقدمه دون حياء.   

هل يمكن أن نتحدث عن تنمية ثقافية بالمغرب؟

 التنمية الثقافية تبدأ في اعتقادي بمجتمع مكتف بذاته, منتج واع. مجتمع منفتح فاعل مبني على التربية النفسية والصحية السليمة. مجتمع قادر على التفكير. مجتمع يستطيع أن ينافس بقية المجتمعات المتقدمة.. الثقافة الفردية المبنية على المجهود الذاتي والأكاديمي تبقى محصورة وحين تشكل فرقا غالبا لا تعتمد وتهجر أو تقصى. أتمنى أن يولد بيننا محمد عابد جابري جديد أو مهدي المنجرة جديد أو فاطمة مرنيسي جديدة… مع احترامي لكل الأسماء الفريدة التي خلقت إشعاعا خارج الوطن أو داخله. ولكن ليتحقق هذا علينا أولا  الاستثمار في الإنسان كما فعلت اليابان. الإنسان هو أساس أي تنمية ثقافية وعلينا إعادة بنائه من جديد على أسس وقيم كونية حديثة تشجع الابتكار والتفكير وتقوم على الاختلاف والتميز وطبعا يجب أن تسخر لذلك إمكانات مادية وبشرية هائلة… عندها فقط, يمكننا الحديث عن تنمية ثقافية مستمدة من اختلافنا وتنوعنا الفكري قبل أن يكون لغويا أو وجوديا. 

أي دور يمكن أن يلعبه المثقف اليوم؟ 

المثقف اليوم لم يعد لديه نفس التأثير الذي كان لديه سابقا حين كان يستأثر بالمعلومة والهيبة العلمية. المجتمعات الحديثة في سباق مع المعلومة. من لديه السبق في امتلاكها يملك العالم. مفاتيح التطور اليوم تخضع لمنطق العرض والطلب ونحن مجتمع استهلاكي بامتياز قلما ننتج.  أمام انتشار مواقع التواصل الاجتماعي أصبح لكل واحد منبرا للتواصل مع الجماهير وللتأثير عليها بغض النظر عن مستواه الثقافي. هنالك انفلات حقيقي يغير في ثوان الشارع ويرصد تحركاته ويؤطره ونجهل أحيانا كثيرة الجهة المسؤولة أو الشخص الذي يستطيع الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع لا يستطيع المثقف -الذي لا يخرج من برجه العاجي إلا فيما ندر- الوصول إليها. حتى تعريف وتحديد مصطلح المثقف اليوم يشوبه غموض أمام انتشار وسائل التعلم الذاتي والمواقع الأكاديمية الجامعية العالمية التي يمكن للجميع الولوج إليها والاستفادة منها.  لكني أرى أن مثقفينا ومفكرينا المغاربة اليوم ملزمين بتقديم مشروع مجتمعي شامل يأخذ بعين الاعتبار التطورات التكنولوجية وطبيعة المجتمع وخصوصيته الثقافية في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وهذا أقل ما يمكنهم القيام به والأفضل أن يكون العمل تطوعا وغيرة وأن يمول المشروع لا حامليه. 

ما رأيكم في المشهد الثقافي المغربي؟

والله ليست لدي فكرة كاملة عن المشهد الثقافي في بلدي ربما لأن جل كتبي نشرت خارج الوطن-  خاصة في فرنسا وألمانيا- ولم أتعامل بعد مع ناشرين محليين لأستوعب ما يحدث. رغم أني أتمنى ذلك. لعل كتبي تصل إلى القارئ المغربي.  لكني أكاد أجزم أن المشهد الثقافي المغربي ضعيف ونخبوي وأنه علينا العمل أكثر حتى نطور الصورة الآنية. وكما قلت سابقا, بناء مثقف ومبدع الغد يبدأ من الأسرة والمدرسة مع تأهيل المجتمع على جميع الأصعدة ليدرك قيمة الفكر والفن في بناء المستقبل. 

لماذا نجد غياب المجلات الثقافية والفنية بالمغرب؟

لا أظنها غائبة هي موجودة خاصة الالكترونية منها, لكن الورقية نخبوية غالبا باللغة الفرنسية  مما يجعل وصولها للعامة مستحيل. خاصة وأن نسبة الأمية لدينا لا تزال مرتفعة. أظن أن مشكل المجلات الورقية عالمي : لأن الناس اليوم أكثر ارتباطا بهواتفهم النقالة وقلما يفكرون في شراء أو قراءة مجلة. بل فعل القراءة في حد ذاته نادر في وقتنا الراهن. علينا فعلا التفكير في طرائق وصور أخرى للقراءة كتشجيع الكتب المسموعة والمصورة التي تستهوي أكثر الجيل المعاصر. علينا أن نغير الأساليب وطريقة عرض المنتوج الثقافي للاستجابة إلى الطلب الآني بشكله المفروض  حاليا لا أن نطلب من القارئ أن يتغير. 

لكم العديد من الاصدارات الأدبية والنقدية والعلمية لكن فضلتم نشرها وتوزيعها بالديار الأوروبية؟

على العكس, كان بودي أن أنشر في بلدي ولقد حاولت ذلك أول الأمر باللغة العربية -ورغم أن كتاباتي تتميز عن كتابات كثيرة متواجدة على الساحة – لكني لم أكن أتوصل برد ايجابي من الناشرين المحليين في حين كانت كتبي تحظى بالثناء والقبول خارج الوطن خاصة المكتوبة باللغة الفرنسية. بل بعضها يعتبر مرجعا هاما معترفا به أكاديميا خارج الوطن. في الواقع,  يسعدني النشر في بلدي لكني طبعا لن أرفض النشر خارج الوطن لأنه الخيار الوحيد المتاح لدي حاليا. 

يعرف المغرب تعددا ثقافيا مهما, هل يمكن احتواء هذا التعدد بعيدا عن الحساسية لبناء نموذج ثقافي مغربي متعدد؟

احتواء التعدد قتل للإبداع والثقافة. ما يميز المغرب هو تعدده الثقافي الذي يجب أن ندافع عنه ونحميه من كل محاولة للغزو أو الاحتواء النمطي. كل جهة تستطيع خلق مهرجاناتها وأعراسها الثقافية ومرجعيتها التاريخية واللغوية والإبداعية في جميع الميادين, وعوض الدخول في حساسية أو غيرها يجب خلق منافسة شريفة بين المناطق, مثل جوائز وطنية تشجع المبادرات الهادفة في كل جماعة أو إقليم.  كل منطقة تستطيع تثمين وتطوير منتوجها التراثي والثقافي وأيضا تسويقه. الثقافة أو التراث ممكن أن يتحول إلى مصدر للدخل والتنافس السياحي والتسويق للمنطقة وأن يخلق مناصب شغل وفيرة. التنوع الثقافي مكسب كبير, للأسف حتى الآن, لا نعطيه حقه ولا نشتغل عليه ليصبح وسيلة للتنمية خاصة في المناطق التي لا تزال تحافظ على العديد من مميزاتها الفطرية الأصيلة. 

هل يمكن الحديث عن صراع ثلاثي ثقافي ديني سياسي في المغرب؟  ومدى تجلياته في المشهد الثقافي المغربي؟

لا أعتقد. لأنه حتى الآن, ليست لدينا الجرأة للدخول في صراع فكري حقيقي ثلاثي أو غيره لخلق وعي جماعي منقح يعتمد الموضوعية ويتحرى الدقة والمصلحة العامة دون قيد أو شرط. لا أرى أن هنالك تجليات في الإنتاج الأدبي والفكري المغربي المعاصر ولا حتى في الحوارات والنقاشات الأكاديمية المحتشمة والفردية. نحن نحتاج فعلا إلى هزة فكرية تعيد النظر في الأبعاد الثلاث المذكورة لتصبح مواضيع عادية للنقاش اليومي الهادف الذي يحترم التعدد الفكري :  الرأي والرأي النقيض, وإلا فلا جدوى من الصراعات الواهية الإيديولوجية ذات المصلحة الضيقة.  

قد أعود اليكم د. نادية بيروك, في مقالات أخرى لتحدثينا عن مضامين بعض كتبك وأشكرك على الإجابة عن كل أسئلتي.  

لا شكر على واجب.  على الرحب والسعة أخي الكريم. مرحبا بكم وشكرا على اهتمامكم. وفقكم الله ورعاكم. 

2020-01-18
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات5 تعليقات

  • ذ عبدالإله تزوت

    زميلة خلوقة، مثابرة وجادة إلى أبعد الحدود، شاعرة ذات صوت شعري متميز،

    • نادية بيروك

      شكرا أستاذي الفاضل الدكتور عبد الإله تازوت، على مروركم الكريم وعلى اهتمامكم.هذا من حسن ذوقكم ونبلكم. حفظكم الله ورعاكم.

  • نجاة مرادي

    الدكتورة نادية بيروك، شاعرة و كاتبة مميزة لها لمستها الخاصة بها، ناهيك عن انها مربية فاضلة قضت ما يناهز ست عشرة عاما في التدريس الثانوي و ما ادراك ما التدريس الثانوي
    ثم انتقلت الى التاطير و التدريس بالجامعة مستفيدة من ماضيها المهني و من ابحاثها الجامعية.
    فخورة جدا بالتعرف عليك و كسب صداقتك
    مزيدا من العطاء عزيزتي

    • نادية بيروك

      لديك حق صديقتي الثانوي من أصعب مراحل التدريس ويتطلب جهدا مكثفا وعملا دؤوبا وصبرا… الجامعة عالم آخر…ولكن الأستاذ الجاد لا يتغير…. سعيدة بصداقتك نجاة وأيضا بصداقة أختك فوزية. أنتما أيضا أيقونتان نادرتان ومستواكما رائع…وهذا نادر في عالمنا حاليا… أنتما مكسب للجامعة المغربية… وفقكما الله ورعاكما. أتمنى رؤيتكما قريبا. تحياتي.

ع اللطيف ألبير