بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، لكنها تثقلها أحزانٌ لا يُطاق حملها، ننعي إلى كل المغاربة، وإلى كل حرٍّ شريف في هذا الوطن المغربي الكبير، عَلَماً من أعلامه الشامخة، وركناً من أركان فكره الحر. إنه المناضل والمفكر والصحفي الجريء، الأستاذ محمد بودهان، الذي غادر دنيانا يوم الثلاثاء 20 يناير 2026 بعد مسيرة حافلة قاربت 74 عاماً، قضى جلها مدافعاً عن الحق والهوية والكرامة.
رحل جسد الفقيد الذي وُلد في سلوان بالناظور سنة 1952، لكن سيرته وإرثه سيبقيان كالشمعة التي أضاءت دروباً وعرة، وكالصخرة التي استمد منها أجيالٌ قوتهم.
لم يكن بودهان مجرد مناضل عابر، بل كان أستاذاً ومفتشاً للفلسفة، فجاء نضاله مسلحاً بمنطق الحجة وقوة التحليل الفلسفي، محولاً قضية الهوية من خطاب انفعالي إلى مشروع فكري متكامل. لقد حوّل قلمه وفكره إلى سلاحين، وظل في ساحتي التعليم والإعلام يغرس بذور الوعي ويصحح المفاهيم. وتجلى التزامه العميق عندما تم تعيينه عضواً في المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2001، ليستمر في الدفاع داخله عن الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية بكل استماتة.
جريدة تاويزا: المدرسة التي علمتنا كيف نفكر
هنا، في هذه النقطة، يجد كل من عرفه وعايشه ذاته. إنها جريدة “تاويزا” (التضامن) التي أسسها بودهان عام 1997 وأصدر منها 184 عدداً، وكان هو مديرها ومحررها ومخرجها، وحتى موزعها في كثير من الأحيان. لم تكن “تاويزا” مجرد جريدة؛ لقد كانت مدرسة فكرية ومنبراً حراً وبيتاً دافئاً لكل الباحثين عن الحقيقة، والمشتاقين إلى التعبير عن هويتهم بكل حرية وثقة.
-
منارة التنوير: كانت الافتتاحيات العميقة بالأمازيغية التي يكتبها بودهان بخط يده، تأسيساً لفكر هوياتي جديد، يستمد روحه من الأرض والتاريخ، ويحطم طابوهات فكرية ظلت مسيطرة لعقود.
-
فضاء للتضامن: افتتح بودهان صفحات الجريدة للشباب والكتاب والباحثين من كل ربوع المغرب، فكانت بمثابة الحاضنة التي نُشرت فيها أولى المحاولات الإبداعية والخبرية للكثيرين، تماماً كما ذكرتم. لقد حوّلها إلى ساحة للتضامن الفكري قبل أن تكون مجرد صحيفة.
-
التواضع والحوار: كان الأستاذ بودهان، رغم فكره العميق ومواقفه الصلبة، متواضعاً في تعامله مع قرائه ومساهميه. كان يستجيب للنشر، ويحاور، ويشجع، مما جعل القارئ يشعر بأن الجريدة ملكٌ له، وهو ما أكدته شهادات من عملوا معه.
رحل “راهب الأمازيغية” كما وصفه رفاق الدرب، بعد أن صمد في وجه العواصف، وحوّل محنته الشخصية (وفاة ابنيه) إلى قوة للعطاء. لقد خسرنا جسداً، لكنه منحنا عقلاً حراً، وروحاً مقاتلة، ومدرسة فكرية ستظل حية.
عزاؤنا أن سيرتك، أستاذنا، ستظل خارطة طريق لكل من يبحث عن كرامة شعبه وهويته. رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون.