سليمان أدخول يكتب : مظاهر التعارض بين مقتضيات التوثيق العدلي وأحكام الدستور المغربي

آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2020 - 10:57 صباحًا
سليمان أدخول يكتب : مظاهر التعارض بين مقتضيات التوثيق العدلي وأحكام الدستور المغربي

مقال للاستاذ سليمان أدخول

مقدمة

شهد المغرب طفرة نوعية في مجال دسترة الحقوق والحريات ، وإقرار آليات محاربة الريع والفساد ، والتمييز بين المواطنين … إلخ ، بمقتضى أحكام الدستور المغربي الجديد (1) ، بحيث أقر هذا الأخير مجموعة من المبادئ التي يجب أن تؤطر العلاقات ما بين الأشخاص الطبيعية والإعتبارية بصورة عامة .

ويحتل الدستور الجديد مركز الصدارة في المنظومة القانونية بالمغرب ، كما يشكل أساس شرعية أعمال الهيئات والمؤسسات المسند إليها صلاحية القيام بالوظائف المرتبطة بالسلطة . ولما كان الدستور المغربي الجديد يعتبر القانون الأسمى بالبلاد ، فمعنى ذلك أنه يتعين عند وضع القوانين الدنيا مراعاة المبادئ الدستورية ، والعمل على صياغة قواعد قانونية بشكل منسجم مع الدستور ، وبالتالي فلا ” شرعية لقانون ما لم يتوافق في مضمونه مع روح الدستور ، ويساير في مقتضياته القواعد القانونية الدستورية … ” (2) . وتنبغي الإشارة إلى أن الدستور المغربي الجديد ، تضمن تعديلا جوهريا بشأن المؤسسة المختصة بمراقبة دستورية القوانين ، بحيث نص على إحداث محكمة دستورية (3) التي من وظائفها الأساسية النظر في عدم دستورية القوانين .

ويجب التنبيه إلى أن :” الرقابة على دستورية القوانين وسيلة من بين وسائل أخرى لدعم الشرعية في الدولة ، وتعبير عن قيام دولة القانون ، وتستهدف هذه الرقابة التأكد من مدى مطابقة القوانين العادية لمقتضيات نصوص الدستور المكتوب الصلب . فان هي صدرت غير مطابقة لأحكام الدستور ، اعتبرت غير شرعية ، وتم ابطالها ، وهذا راجع إلى كون الدستور المكتوب الصلب يتميز بالسمو من الزاوية الشكلية . هذا السمو الذي يقتضي ان تكون كل القواعد القانونية وغيرها مطابقة في أحكامها لأحكام الدستور ، والا اعتبرت غير شرعية ، كما يقتضي ان تكون هناك تراتبية بين مختلف القوانين يحتل الدستور المرتبة العليا بينها ” (4). وبالرجوع إلى القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، نجده يتضمن مجموعة من القواعد القانونية المخالفة لمبادئ الدستور المغربي الجديد ، بحيث أصبح القانون المذكور فاقدا للشرعية الدستورية ، مما يتعين إنهاء العمل بأغلب قواعده القانونية المخالفة للقانون الأسمى بالبلاد .

وهكذا فإذا كان الدستور المغربي قد أقر مبادئ متعددة من قبيل ضمان المساواة بين الأشخاص الطبيعية والإعتبارية ، وتكافؤ الفرص ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، والحكامة الجيدة وضمان قرينة البراءة والمحاكمة العادلة وغيرها ، فإن بعض القوانين المنظمة للمهن القانونية والقضائية لا تتلاءم مع النص الدستوري ، منها القانون رقم 03/16 المتعلق بالتوثيق العدلي ، والقانون رقم 09/32 المنظم لمهنة التوثيق ، بحيث عمل المشرع المغربي على تكريس التمييز بين المهنتين ، مما يدفعنا إلى إثارة سؤال الشرعية في هذا الإطار . ولتفصيل الكلام في هذا الموضوع ارتأينا توزيع الدراسة بشأنه إلى مبحثين على الشكل : المبحث الأول: تجليات تعارض مقتضيات التوثيق العدلي مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة . المبحث الثاني: تجليات تعارض مقتضيات التوثيق العدلي مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة .

المبحث الأول: تجليات تعارض مقتضيات التوثيق العدلي مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة : خص المشرع المغربي التوثيق العدلي بمجموعة من الأحكام القانونية بمقتضى القانون رقم (16.03) ، منها على سبيل المثال ما تعلق بتنظيم قاعدة رسمية الوثيقة العدلية ، وتضمينها واستخراج نسخها ، وكذا المسؤولية المقتسمة إجباريا بين العدل الأول والعدل الثاني في تناقض صارخ مع أحكام الدستور المغربي الحديث … إلخ.

ولتسليط الضوء على قواعد التوثيق العدلي المتعارضة مع المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، سنخصص (المطلب الأول) لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكاليتي قاعدة الرسمية والإقتسام الإجباري للمسؤولية الجنائية بين العدلين ، ونعرض في (المطلب الثاني) لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكاليتي تضمين الوثيقة العدلية واستخراج نسخها. المطلب الأول : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكاليتي قاعدة الرسمية والإقتسام الإجباري للمسؤولية الجنائية بين العدلين : مما لا شك فيه أن الإطلاع على مقتضيات التوثيق العدلي يسمح باكتشاف تعارض واضح بين ما نظمه المشرع المغربي في النص الأدنى ( القانون رقم 16.03) ، وبين ما نص عليه الدستور المغربي الجديد (النص الأسمى) من مبادئ حداثية متطورة ، و ما يترتب عن ذلك من إمكانية إثارة سؤال عدم دستورية النص الأدنى . ولمناقشة الموضوع ، سنخصص (الفقرة الأولى) لتناول مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكالية قاعدة الرسمية في قانون التوثيق العدلي ، و(الفقرة الثانية) لمعالجة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و إشكالية الإقتسام الإجباري للمسؤولية الجنائية بين العدلين في نفس القانون .

الفقرة الأولى : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكالية قاعدة الرسمية في قانون التوثيق العدلي : حاول المشرع المغربي تنظيم رسمية الوثيقة العدلية لتحقيق مجموعة من الأهداف والمقاصد الكبرى المرتبطة أساسا بمفاهيم الأمن التوثيقي وحماية الحقوق للمتعاملين معها .

غير أن المحاولة التشريعية في هذا الإطار لم تكن موفقة منذ البداية ، وأحرى أن يتم الترحيب بها في زمن الدستور المغربي الحديث ( 2011) ، زمن الحداثة والحقوق والحريات ، وربط المسؤولية بالمحاسبة . وللوقوف على حقيقة رسمية الوثيقة العدلية المنصوص عليها في القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، يتعين الرجوع إلى الفقرة الأخيرة من المادة 35 منه التي أقرت ما يلي : ” لا تكون الوثيقة تامة إلا إذا كانت مذيلة بالخطاب ، وتعتبر حينه وثيقة رسمية ” .

وانطلاقا من هذه المقتضيات يتضح بأن المشرع المغربي كرس قاعدة الرسمية للوثيقة العدلية استنادا إلى المنطق المؤسس على التفريق بين المسؤولية والمحاسبة ، بحيث ميز بين مسألة توثيق المحررات العدلية ، وبين إجراء إضفاء الصبغة الرسمية عليها ، و أسند الإختصاص للعدول فيما يخص المسألة الأولى ، وللقاضي فيما يتعلق بالإجراء الثاني ، وأقر المسؤولية للعدول ، دون إقرارها للقضاة المكلفين بالتوثيق ، وهو ما يتعارض كليا مع المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة . إن المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي أساسا في مجال التوثيق العدلي ، وابتداء من تاريخ إقرار الدستور الجديد تحميل المسؤولية كاملة على مستوى المتابعات للمضفي للصبغة الرسمية على الوثيقة العدلية ، وليس لمحررها ، انسجاما مع المقتضيات المنصوص عليها في القانون الأسمى في البلاد (دستور 2011 ) ، وهو ما يطرح سؤال الشرعية بشأن المتابعات في حق العدول التي تمت ابتداء من تاريخ إقرار الدستور الجديد إلى اليوم ؟. وتأسيسا على ما سبق، فإن المادة 35 من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، أصبحت منذ تاريخ إقرار الدستور المغربي الجديد (2011) ، غير دستورية وذلك بالنظر إلى المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة .

الفقرة الثانية : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكالية الإقتسام الإجباري للمسؤولية الجنائية بين العدلين : يرتكز نظام التوثيق العدلي على قاعدة التلقي الثنائي للعقود والشهادات ، مما يستوجب بالتبعية تقاسم مسؤولية التحرير بين العدل الأول والعدل الثاني . وهو ما أكده المشرع المغربي في المادة 33 من القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة حيث نص فيها على ما يلي : ” تكتب الشهادة تحت مسؤولية العدلين في وثيقة واحدة … ” .

إن فرض الإقتسام الإجباري للمسؤولية بين العدلين ، ولا سيما الجنائية منها تجعل العدل الثاني في غير مأمن عن نفسه ، وهو عرضة في أي لحظة للمساءلة الجنائية بسبب فعل ارتكبه العدل الأول ، إما عن حسن نية أو عن سوئها في مذكرة الحفظ الممسوكة لديه دون علمه ، وهو ما يجعل العدل الثاني يستشعر دائما هذه الإشكالات التي تؤثر بشكل سلبي على المردودية والعطاء والنجاعة المطلوبة في ميدان تحرير العقود العدلية .

وهكذا فالمسؤولية الجنائية المقتسمة بصورة إجبارية بين العدلين في نظام التوثيق العدلي مع ضعف بل غياب الحماية القانونية للعدول بصفة عامة ، سواء على مستوى قواعد قانون التوثيق العدلي (16.03) ، أو على مستوى قواعد القانون الجنائي المغربي ، يجعل العدلين مقيدين في تصرفاتهما بما يعوق في بعض الأحيان ممارسة الإختصاص والقيام بالمهام على أحسن وجه ، كما يمكن لغياب الحماية القانونية للعدول كذلك ، أن يكون عائقا أمام ما تتطلبه الممارسة التوثيقية من سرعة في التنفيذ وإنجاز المعاملات .

لا شك أن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق العدول بسبب خطورة المهام والاختصاصات المسندة إليهم ، مع غياب الضبط القانوني لهذه المسؤولية بالدقة اللازمة والتنصيص على الحدود الفاصلة بين الأخطاء العادية والمهنية والإغفالات والتزوير في المحررات … إلخ ، يجعل من ممارسة الإختصاص من طرف العدلين أمرا صعبا ومسألة شائكة ومعقدة . فما يراه العدل الأول سليما من الناحية القانونية ومستوفيا للشروط الموضوعية والشكلية المتطلبة قانونا لتلقي الشهادة بشأنه ، قد يراه العدل الثاني خلاف ذلك أو العكس ، الشئ الذي يؤدي إلى عرقلة عمليات التوثيق والإشهاد في النازلة الواحدة ، وهو ما ينعكس سلبا على النجاعة التوثيقية بكيفية مباشرة ، وعلى النجاعة القضائية بصورة غير مباشرة .

إن غياب توفير الأمن للعدول في مجال التوثيق العدلي عامل مؤثر على النجاعة التوثيقية والقضائية ، وبالتالي فمفهوم الأمن باعتقادنا يجب ألا يقتصر على تكريس البعد الحمائي للمتعاقدين وللحقوق العينية والشخصية فحسب ، وإنما يجب أن يشمل كذلك العدول ، وذلك عن طريق ضمان حمايتهم بنصوص قانونية واضحة وصريحة ، تضمن للممارسة التوثيقية العدلية مصداقيتها ، فليس من المنطق والعدل والإنصاف في شئ أن تتم متابعة العدول لمجرد أخطاء عادية بسيطة ناتجة عن الطبيعة البشرية للإنسان بسبب تكييفات جنائية خاطئة ، ثم وهذا هو الأهم انه لا يعقل ان يتم إسناد اختصاص التحقيق مع العدول لجهات تفتقر إلى التكوين المطلوب في مجال التوثيق ، نظرا لدقة قواعد هذا الأخير .

كل هذا يدعو إلى إعادة النظر في نظام العدلين وبالتبعية في نظام المسؤولية المتعلقة بهذا النظام والعمل على إدخال إصلاحات وتعديلات جوهرية أخذا بعين الاعتبار ما يكفل مصلحة المواطن ، ويضمن حماية العدل ، ويوفر الأمن الشامل في مجال التعاقد لدى العدول مع اعتماد صريح لمبدأ مسؤولية محرر الوثيقة ، وتحقيق الإنسجام بالتالي مع المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة .

المطلب الثاني : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكاليتي تضمين الوثيقة العدلية واستخراج نسخها : يعد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من أهم المبادئ المنظمة على مستوى الدستور المغربي ، ولهذا لابد من ضبط المسؤوليات وتحديدها بدقة لتحقيق غاية المحاسبة .

غير أن قانون التوثيق العدلي (16.03) باعتباره تشريعا أدنى يخالف هذا المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة ، سواء على مستوى إشكالية تضمين الوثيقة العدلية (الفقرة الأولى) ، أو على مستوى إشكالية استخراج نسخها (الفقرة الثانية) ، وهو ما سنتعرض له اتباعا على الشكل التالي : الفقرة الأولى : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكالية تضمين الوثيقة العدلية :

أسند المشرع المغربي عملية تضمين الوثيقة العدلية في سجلات التضمين (5) لطرف أجنبي لا علاقة له بالوثيقة العدلية ، ولا بأطراف العقد ، ولا بحيثيات الإشهاد بتوثيق التصرفات والوقائع القانونية في الوثيقة العدلية ، مما يعني إقحام طرف أجنبي في الوثيقة العدلية ، بحكم مراجع التضمين التي يضيفها في زاوية من زوايا الوثيقة العدلية لا في صلبها.

وهكذا فقد نصت المادة 32 من المرسوم التطبيقي (6) للقانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي على أنه :” تضمن الشهادة بأكملها طبقا لمقتضيات المادة 11 من القانون رقم 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة … ” (7).

إن إشراك طرف أجنبي في الوثيقة العدلية مع القائم بتحريرها ، يتنافى ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة . إن الطرف القائم (الناسخ) بتضمين الوثيقة العدلية ، قد يرتكب أخطاء في عملية التضمين إما عن حسن نية أو عن سوئها ، منها مثلا : إغفال سطر أو أكثر من الوثيقة العدلية الأصلية دون إدراجه في سجل التضمين ، أو إعطاء مراجع تضمين وهمية للوثيقة العدلية على أساس أنها مضمنة فعلا في سجل التضمين ، بينما في واقع الأمر تكون على خلاف ذلك … إلخ ، وهو ما يطرح إشكالات على مستوى الواقع العملي .

إن المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة يفرض على المشرع المغربي إعادة النظر في هذه المقتضيات ، وإنهاء العمل بإجراء التضمين اليدوي التقليدي ، وإسناد مسؤولية حفظ الوثيقة العدلية للعدل . الفقرة الثانية : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وإشكالية استخراج نسخ الوثيقة العدلية: تشكل عملية استخراج النسخة ، للوثيقة العدلية الضائعة ، مظهرا من مظاهر الإختلال التشريعي ببلادنا ، نظرا لتعارضها المطلق مع المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة .

وهكذا فقد جاء في المادة 37 من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ما يلي :” تستخرج نسخ الشهادات وفق مقتضيات هذا القانون والقانون رقم 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة ، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.01.124 بتاريخ 29 من ربيع الأول 1422 (22 يونيو 2001) . توقع نسخ الشهادات بعد التأكد من مطابقتها لما استخرجت منه من قبل عدلين والقاضي ” . وباستقراء محتويات النص التشريعي أعلاه نسجل مساهمة أربعة أطراف في النسخة المستخرجة من سجل التضمين ، هم كالتالي :

– الناسخ : دوره يتجلى فقط في النقل الحرفي لمضمون الوثيقة العدلية من سجل التضمين إلى الورقة . – العدل الأول : ودوره مزدوج : رقابي إشهادي ، بحيث يقوم بمراقبة عمل الناسخ المتعلق بمضمون النسخة المستخرجة ، وذلك بمطابقة المضمون المستخرج، مع مضمون السجل الذي استخرجت منه النسخة ، وتوقيعها في حالة المطابقة بين المضمونين ، ورفض التوقيع في حالة العكس .

– العدل الثاني : نفس الدور الذي يقوم به العدل الأول . – القاضي المكلف بالتوثيق : إضفاء الصبغة الرسمية على النسخة ، بعد توقيع العدلين . وفي ضوء إسهام أربعة أطراف في النسخة المستخرجة للوثيقة العدلية الأصلية كمنتوج توثيقي خالص للعدول ، هل لازالت هذه المقتضيات المتعلقة بالتوثيق العدلي تنسجم مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ؟

إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في أسمى وثيقة ببلادنا ، يسائل المشرع المغربي ، ويلزمه بضرورة مطابقة القانون الأدنى ( القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ) مع مقتضيات القانون الأسمى ( الدستور المغربي الجديد ) ، وإعادة النظر في تنظيم قواعد التوثيق العدلي المتعارضة مع الدستور المغربي بصورة عامة ، وقاعدة استخراج نسخ الوثيقة العدلية بصورة خاصة .

المبحث الثاني: تجليات تعارض مقتضيات التوثيق العدلي مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة

: نص المشرع المغربي في إطار القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي على مجموعة من المقتضيات القانونية المؤطرة للممارسة التوثيقية للعدل . غير انه بإقرار الوثيقة الدستورية المتضمنة لمجموعة من المبادئ الأسمى ، أصبحت أغلب تلك المقتضيات متجاوزة دستوريا ، مما يطرح سؤال شرعية استمرار العمل بها على مستوى الممارسة .

ولتوضيح ذلك ، سنحاول دراسة مبدأ المساواة وإشكالية التمييز بين الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية من حيث إضفاء الصبغة الرسمية ، والإختصاص المكاني في (المطلب الأول) ، ثم معالجة مبدأ الحكامة الجيدة وإشكاليتي التعيين والإيقاف المؤقت للعدل عن العمل في (المطلب الثاني) . المطلب الأول : مبدأ المساواة وإشكالية التمييز بين الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية من حيث إضفاء الصبغة الرسمية والإختصاص المكاني : حاول المشرع المغربي تنظيم رسمية الوثيقة العدلية ونظيرتها التوثيقية ، وكذا نطاق صلاحيتهما من حيث الإختصاص المكاني .

غير ان التنظيم التشريعي المشار إليه ، كرس تمييزا واضحا بين الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية من حيث الرسمية (الفقرة الأولى) و من حيث الإختصاص المكاني (الفقرة الثانية) ، وهو ما سنوضحه كما يلي :

الفقرة الأولى : التمييز التشريعي بين الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية من حيث إضفاء الصبغة الرسمية : لا يمكن التسليم بالمساواة التشريعية بشأن قاعدة الرسمية المميزة للوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية ، وذلك بالنظر إلى حقيقة التمييز الحاصل في كيفية تنظيمها في القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، والقانون رقم 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق . وإذا كان المحدد في قاعدة الرسمية هو الفصل 418 من قانون الإلتزامات والعقود المغربي ، فإن طريقة ترسيم كل واحدة من الوثيقتين العدلية والتوثيقية يطبعها الإختلاف البين ، والتمييز الصارخ الذي لا أساس له في المنطق الدستوري المغربي الحديث .

وبالرجوع إلى المقتضيات التشريعية المؤطرة لرسمية كل من الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية ، نجد أن المشرع المغربي أسند رسمية الوثيقة العدلية لخطاب القاضي ، وليس للعدل محررها ، وذلك عندما نص في الفقرة الأخيرة من المادة 35 من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي على أنه : ” لا تكون الوثيقة تامة إلا إذا كانت مذيلة بالخطاب ، وتعتبر حينه وثيقة رسمية ” ، بينما أسند رسمية الوثيقة المحررة في إطار مقتضيات القانون رقم 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق ، لتوقيع الموثق وليس لخطاب القاضي ، وذلك عندما نص في الفقرة الأخيرة من المادة 44 من القانون المشار إليه على أنه :” يكتسب العقد الصبغة الرسمية ابتداء من تاريخ توقيع الموثق “.

وتأسيسا على النصين معا يتضح بجلاء التمييز التشريعي بين الوثيقة العدلية والوثيقة المحررة في إطار مقتضيات القانون رقم 32.09 ، بحيث نسجل غياب المساواة التوثيقية و ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الصادرة عنهم المحررات الرسمية .

إن إسناد صلاحية إضفاء الصبغة الرسمية للقاضي بخصوص الوثيقة العدلية ، وإسناد نفس المهمة للموثق بشأن الوثيقة التوثيقة ، مؤداه في واقع الممارسة تقييد العدل بأجل قد يصل إلى شهر فأكثر لتحقيق رسمية الوثيقة العدلية ، وإعطاء إمكانية للموثق في إنجاز الوثيقة وتحقيق رسميتها في بضع دقائق ، وهو ما يشكل تمييزا تشريعيا يتنافى مع المبادئ الدستورية المتعلقة أساسا بالمساواة وتكافؤ الفرص … إلخ ، وهو ما يتعين أخذه بعين الإعتبار في التعديل الجديد للقانون رقم 16.03 ، بحيث يتوجب على المشرع المغربي تكريس الإنسجام بين قواعد التوثيق العدلي ومبادئ الدستور المغربي الحديث ، وإلغاء كل أشكال التمييز المكرسة في القانون الحالي للتوثيق العدلي .

الفقرة الثانية : التمييز التشريعي بين الوثيقة العدلية والوثيقة التوثيقية من حيث الإختصاص المكاني: لقد قيد المشرع المغربي نطاق تفعيل صلاحية الوثيقة العدلية من حيث الإختصاص المكاني في دائرة ضيقة محددة في دائرة نفوذ محكمة الإستئناف ، وأحيانا في دائرة نفوذ المحكمة الإبتدائية المعين فيها ، بحيث لا يمكن التنقل من دائرة محكمة إبتدائية إلى دائرة محكمة ابتدائية أخرى داخل نفس الإستئنافية إلا بقيود ، وهو ما جسده المشرع المغربي في المادة 14 من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، كما يلي : ” … يتقيد العدل في ممارسة الخطة بحدود دائرة محكمة الإستئناف المنتصب فيها ، ما عدا الإشهاد بالزواج والطلاق فيتم وفق المادتين 65 و 87 على التوالي من مدونة الأسرة . يجب على العدل أن يتلقى الإشهاد بمكتبه كلما تعلق الأمر بشهادات خارجة عن دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية ، المحدث مكتبه بدائرتها ، ولا يجوز له التوجه لتلقي هذه الشهادات في حدود دائرة محكمة الإستئناف ، إلا بعد إشعار القاضي المكلف بالتوثيق التابع لدائرة نفوذه من طرف طالبي الشهادات ، بطلب كتابي يسجل بكتابة ضبط القاضي بسجل خاص معد لهذه الغاية ، ويشار وجوبا في الشهادة إلى مراجع تسجيل الطلب .

يشهد العدل على من حال وقت الإشهاد بالدائرة المنتصب فيها ولو كان يسكن بغيرها ، باستثناء الشهادات المتعلقة بالعقار والتركات فيراعى فيها حدود دائرة محكمة الإستئناف التابع لها موقع العقار أو موطن الموروث. غير أنه يجوز في حالة الظرف القاهر تلقي الوصية بعقار بمكان وجود الموصي بإذن من القاضي ” .

وعلى العكس من ذلك تماما ، نلاحظ أن المشرع المغربي سلك منطقا آخرا مع الوثيقة التوثيقية ، ووسع من نطاق تفعيل صلاحيتها من حيث الإختصاص المكاني ، وجعله جاريا على صعيد التراب الوطني ، بحيث جاء في المادة 12 من القانون رقم 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق ما يلي :” يمارس الموثق مهامه بمجموع التراب الوطني. غير أنه يمنع عليه تلقي العقود وتوقيع الأطراف خارج مقر مكتبه .

يمكن للموثق لأسباب استثنائية تلقي تصريحات أطراف العقد والتوقيع على العقود خارج مكتبه وذلك بإذن من رئيس المجلس الجهوي وإخبار الوكيل العام للملك لدى المحكمة المعين بدائرتها ” .

إن المقارنة بين النص المنظم للإختصاص المكاني المتعلق بصلاحية تفعيل الوثيقة العدلية ونظيرتها التوثيقية ، تبين بشكل واضح مدى التمييز التشريعي بين مؤسسة التوثيق العدلي ومؤسسة التوثيق ، وهو ما يتعارض كليا مع مبادئ الدستور المغربي الذي نص في الفصل السادس على أنه : ” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة . والجميع ، أشخاصا ذاتيين واعتباريين ، بما فيهم السلطات العمومية ، متساوون أمامه وملتزمون بالامتثال له .

تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين ، والمساواة بينهم … ” . وفي ظل هذه المقتضيات الدستورية أتساءل كما يلي : هل المشرع المغربي عمل على ضمان المساواة الدستورية بين مؤسسة التوثيق العدلي ومؤسسة التوثيق ؟ المطلب الثاني : مبدأ الحكامة الجيدة وإشكاليتي التعيين والإيقاف المؤقت للعدل عن العمل :

يخضع العدل في عملية فتح مقر المكتب العدلي ، لسلطة وزير العدل ، بحيث لا مجال لحرية الإختيار في هذا الشأن.

كما أن العدل قد يتعرض في مساره المهني للإيقاف المؤقت من طرف الوكيل العام للملك ، إثر فتح كل متابعة تأديبية أو جنحية أو جنائية .

ولتناول الموضوع بشئ من التفصيل ، سنتطرق لمبدأ الحكامة وإشكالية تعيين العدول في (الفقرة الأولى) ، ونخصص (الفقرة الثانية) لمبدأ الحكامة وإشكالية الإيقاف المؤقت للعدل عن العمل .

الفقرة الأولى : مبدأ الحكامة الجيدة وإشكالية تعيين العدول .

جاء في المادة الأولى من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي على أنه :” تمارس خطة العدالة بصفتها مهنة حرة … ” كما أضافت الفقرة الأولى من المادة 14 من نفس القانون ، ما يلي :” يتعين على العدل أن يتخذ مقر مكتبه حيث تم تعيينه… ” .

وأكدت المادة الأولى من المرسوم التطبيقي للقانون رقم 16.03 المشار إليه أعلاه ، على أنه : ” يحدد وزير العدل بقرار عدد المكاتب العدلية ومقارها وعدد العدول بها … ”

وباستقراء محتويات المواد أعلاه نستخلص ما يلي : – أولا : ان مهنة التوثيق العدلي مهنة حرة . – ثانيا : ان مقر المكتب العدلي يتم تحديده من طرف القطاع الوصي ، وليس من اختيار العدل . – ثالثا : وجوب فتح المكتب العدلي في النقطة المحددة في قرار التعيين . وفي هذا الإطار نتساءل هل تقنين سلطة تعيين مقر مكتب العدل والتحكم في ضبطه من طرف القطاع الوصي ، ينسجم مع خصوصية المهنة الحرة ؟ وهل يتلاءم مع مبدأ الحكامة الجيدة المنصوص عليه في الدستور المغربي الجديد ؟

إن النص القانوني قبل وضعه والأمر بتطبيقه ، يتطلب من واضعه أن يوفر له الحد الأدنى من مقومات وشروط تحقق تنزيله على مستوى الواقع العملي ، وبالتالي فالنص القانوني يقتضي أن يكون مستوفيا للعناصر الواقعية لكي يتحقق تطبيقه وتنفيذه من طرف المخاطبين به . وبالوقوف على مقتضيات التوثيق العدلي المتعلقة بتعيين العدول وتحديد مقار العمل ، يتضح بجلاء مدى عدم الإنسجام بين مقتضيات التوثيق العدلي ومبدأ الحكامة الجيدة ، وذلك للإعتبارات التالية :

* الإعتبار الأول : ويتجسد أساسا في كون تقييد العدل بفتح مكتب للتوثيق العدلي بمقر يتم اختياره وتحديده من طرف وزارة العدل ، لا ينسجم مع شروط ومتطلبات ممارسة مهنة التوثيق العدلي كمهنة حرة ، لأسباب متعددة منها ما هو موضوعي ، ومنها ما هو قانوني ومنها ما هو دستوري …

* الإعتبار الثاني : ويكمن في كون إخضاع تحديد مقر المكتب العدلي لسلطة التعيين ، فيه نوع من الإجحاف وكثير من الإضرار بالحياة المهنية للعدل ، فمهنة التوثيق العدلي مهنة حرة وليست وظيفة عمومية ، وبالتالي اسباغ سلطة التعيين على العدل ومن خلالها تقييده بفتح المكتب حيث مقر التعيين ، وعدم ترك ذلك لحرية اختياره ، لا ينسجم مع مقتضيات الحكامة والتدبير الجيد للموارد البشرية في قطاع التوثيق العدلي بالمغرب

* الإعتبار الثالث : ويتحدد في كون أغلب مقرات التعيين المتعلقة بالمراكز التابعة للمحاكم الإبتدائية لا تستجيب للمبدأ الدستوري المتعلق بالحكامة الجيدة ، فكيف أن يتم تعيين عدول بمقرات تعيين داخل مراكز معينة ، والواقع أن المركز المحدد له في ورقة التعيين غير موجود أصلا في الواقع .

إن الحديث عن المركز التوثيقي يقتضي وجود دائرة قضائية ، محددة إما في محكمة ابتدائية ، أو في مركز القاضي المقيم … إلخ ، غير أن الواقع يعكس حقيقة أخرى ، بحيث لا وجود فعلي لأغلب المراكز التي تحدد في قرارات تعيين العدول من طرف القطاع الوصي. فلو أخذنا على سبيل المثال المراكز التابعة لدائرة المحكمة الإبتدائية بتطوان كنموذج، نجد أنها محددة على الشكل التالي : تطوان ، مرتيل ، جبل حبيب ، مركز المضيق ، مركز الفنيدق ، بني يدر ، مركز دار بني قريش ، مركز سمسة (واد لو) ، جماعة أمسا ، جماعة أزلا ، وأن مقرات تعيين العدول بهذه الدائرة القضائية يتم بإحدى المراكز المشار إليها أعلاه . إلا أنه على مستوى الواقع العملي لا نجد سوى مركزا توثيقيا واحدا مؤهلا للإشتغال ، وهو ” مركز المحكمة الإبتدائية بتطوان ” ، دون باقي المراكز الأخرى ، والمحصلة أن كل العدول الذين يتم تعيينهم بالمراكز غير المفعلة على مستوى الواقع يصرفون أعمالهم التوثيقية في المحكمة الإبتدائية بتطوان ، مما يطرح سؤال الحكامة في تدبير ملفات تعيين العدول بالمغرب . فما معنى أن يتم تعيين عدل بمركز قروي نائي وإلزامه بفتح المكتب العدلي فيه ، بينما الواقع يعكس حقيقة أخرى مؤداها أنه لا وجود لمركز القاضي المقيم لاستكمال الإجراءات التوثيقية التي يتوقف عليها عمل العدل ؟؟؟

كما أن إشكالية تعيين العدول في المراكز النائية يتنافى ومبدأ الحكامة الجيدة ، والتدبير الأمثل للموارد البشرية . فما معنى أن يتم الحرص على تأطير أجود الكفاءات من حاملي الإجازة والماستر والباحثين في أسلاك الدكتوراه وتأهيلهم لمزاولة مهنة التوثيق ، وفي نهاية المطاف يتم تعيينهم في المراكز القروية النائية التي تنعدم فيها أدنى مقومات إنجاح الممارسة التوثيقية واستثمار المؤهلات والمهارات المكتسبة طيلة عملية التمرين ؟؟؟ الفقرة الثانية: مبدأ ضمان قرينة البراءة وإشكالية الإيقاف المؤقت للعدل عن العمل .

نصت الفقرة الأولى من المادة 48 من القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، على أنه : ” يمكن للوكيل العام للملك كلما فتحت متابعة تأديبية ، أو جنحية ، أو جنائية ضد عدل ، أن يوقفه مؤقتا عن عمله بإذن من وزير العدل … ” . ومؤدى هذا ان المشرع المغربي أعطى الصلاحية القانونية للوكيل العام للملك ، لإيقاف العدل مؤقتا عن ممارسة اختصاصاته المختلفة ، والمرتبطة أساسا بتلقي العقود والشهادات وتوثيقها ، وتوقيع العقود مع العدل غير الخاضع لمسطرة الإيقاف ، وكذا تقديم الإستشارات القانونية للمواطنين … إلخ ، في الأحوال التي تفتح فيها المتابعة بأصنافها التأديبية والجنحية والجنائية .

غير أن الدستور المغربي الجديد ، وعلى النقيض من ذلك تماما أقر قرينة البراءة ، بحيث نص في الفقرة الرابعة من الفصل 23 على أن : ” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان ” .

يبدو من مقتضيات المادة 48 من قانون التوثيق العدلي والفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور المغربي الجديد ، أن هناك تعارض خطير يمس المركز القانوني للعدل كمهني مكلف بتقديم خدمات عامة للمواطنين طبقا للقانون .

وتتجلى خطورة إمكانية الإيقاف المؤقت للعدل عن العمل ، من طرف الوكيل العام للملك أساسا ، في أن الغالب الأعم من النوازل التي تفتح فيها المتابعات نتيجة الشكايات الكيدية ، يتبين فيما بعد ، و خلال المراحل المتقدمة من المتابعة بأن العدل بريئ وأن المتابعة لا أساس لها ، ويتم الإقتصار على وضع الحد للمتابعة دون اتخاذ أي إجراء عادل ومنصف للعدل من قبيل متابعة صاحب الشكاية الكيدية التي تسببت في إضرار العدل بتوقيفه عن العمل المؤقت ، أو اتخاذ قرار تعويض العدل عن الإجراء التعسفي المتخذ في حقه … إلخ ، والحال أن مركزه القانوني قد تم المس به بمجرد إصدار قرار الإيقاف من طرف الوكيل العام للملك بعد إذن وزير العدل . وفي هذا الإطار نتساءل عن الضمانات الدستورية المرتبطة أساسا بقرينة البراءة ؟ ألا يعتبر إسناد سلطة الإيقاف المؤقت للعدل من طرف النيابة العامة ( الوكيل العام للملك) خلال كل عملية فتح للمتابعة ، فيه تعارض مع القاعدة الدستورية القاضية بقرينة البراءة مضمونة ؟ ألا تعتبر القاعدة القانونية الأدنى المتعارضة مع القاعدة القانونية الأسمى غير دستورية ، وبالتالي تصبح واجبة الإلغاء ؟ ثم هل أصبح للإذن الذي يمنحه وزير العدل للوكيل العام بشأن الإيقاف المؤقت للعدل عن العمل معنى في ظل أحكام الدستور المغربي الجديد الذي أقر باستقلالية السلط ؟

خاتمة وفي ختام هذه الورقة البحثية، نؤكد على التعارض الحاصل بين مقتضيات التوثيق العدلي مع المبادئ التي أقرها الدستور المغربي الجديد ، باعتاره القانون الأسمى ببلادنا ، مما يتعين إعادة النظر كليا في القانون رقم 16.03 المتعلق بالتوثيق العدلي ، والعمل على بناء نص تشريعي حديث ينظم مهنة التوثيق العدلي بشكل منسجم مع المرجعية الدستورية المرتكزة أساسا على مبادئ الحكامة الجيدة، والمساواة بين الأشخاص الطبيعية والإعتبارية، وتكافؤ الفرص ، و ضمان قرينة البراءة والمحاكمة العادلة ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، والإستقلالية وغيرها من القواعد الدستورية المتقدمة ، التي يتعين الإنطلاق منها كأسس في إصلاح مهنة التوثيق العدلي.

ونظرا لعدم توافق مقتضيات التوثيق العدلي المكرسة في القانون رقم 16.03 في مضمونها مع مبادئ الدستور المغربي الجديد ، فقد سجلنا بكونها أصبحت فاقدة للشرعية الدستورية ، وهو ما يسائل المشرع المغربي بخصوص استمرار العمل بهذه المقتضيات التشريعية المتجاوزة دستوريا ، الشئ الذي يستوجب تدخلا عاجلا لإنهاء العمل بها ، والتأسيس لقانون جديد يسهم في تحديث مهنة التوثيق العدلي وتطوير خدماتها، وجعلها قادرة على مواكبة التوجهات الكبرى للدولة في مجال بناء الإقتصاد والإستثمار واعتماد الرقمنة في كافة المجالات، عن طريق تجاوز إشكالاتها القانونية والعملية ،

بحيث نقترح بشأن ذلك ما يلي:

1- إلغاء كل المقتضيات التمييزية بين مهنة التوثيق العدلي المنظمة بالقانون رقم 16.03 ، ومهنة التوثيق المؤطرة بالقانون رقم 32.09 . 2- تمديد المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة إلى القانون الجديد للتوثيق العدلي ، وتفعيله على مستوى تحميل مسؤولية العدل الواحد بشأن منتوجه التوثيقي . 3- تفعيل مبدأ الحكامة الجيدة وجعله مرتكزا في صياغة القواعد القانونية المؤطرة لرسمية الوثيقة العدلية ومسطرة إنجازها . 4- إلغاء صلاحية الوكيل العام للملك في الإيقاف المؤقت للعدل عن العمل ، لكونه يتعارض مع المبدأ الدستوري القاضي بضمان قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة . 5- تكريس مبدأ المساواة التوثيقية في صلب قانون التوثيق العدلي وتوظيفه في تأطير مختلف القواعد القانونية المنظمة لمهنة التوثيق العدلي .

6- إعادة النظر في إجراء تعيين العدول ، وجعله مرتكزا على حرية الإختيار بدلا من قاعدة الإجبار .

7- تفعيل مبدأ المساواة في معايير الولوج لمهنة التوثيق العدلي .

8- إعادة النظر في الطبيعة القانونية للإختبار المهني للعدول المتمرنين ، وجعل نتائجه على وجه الإستئناس ، لا على مبدأ النجاح والرسوب .

9- إعادة النظر في الإختصاص المكاني للعدل وجعله جاريا على صعيد التراب الوطني .

وفي الأخير نطرح السؤال التالي : ألم يحن الوقت بعد أيها المشرع المغربي لرفع التمييز بين مهنة التوثيق العدلي ومهنة التوثيق ؟؟؟ أليس الدستور المغربي هو دستور لجميع المغاربة ؟؟؟ لماذا الإصرار إذن على تعميق التمييز بين المهنتين بدلا من العمل على رفعه ؟؟؟.

– قائمة الإحالات والمراجع المعتمدة : – (1) الظهير الشريف رقم 1.11.91 الصادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو2011) ، بتنفيذ نص الدستور ، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011 ، صفحة :3600 . – (2) احمد بنكوكوس ، القانون الدستوري ، الجزء الأول ، دار نشر الجسور وجدة ، بدون إشارة إلى تاريخ الطبعة ، صفحة : 1 .

– (3) المجلس الدستوري سابقا ، المحكمة الدستورية وفق التعديل الجديد بمقتضى دستور 2011 . – (4) احمد بنكوكوس ، مرجع سابق ، صفحة : 71 . – (5) أسند المشرع تضمين الوثيقة العدلية إلى طرف أجنبي عنها ، أطلق عليه تسمية : ” الناسخ ” . وللإطلاع على تعريف الناسخ ، انظر كتابنا : الشرح العملي لمركز الوثائق العدلية في نظام السجلات العقارية ، دراسة على ضوء التوثيق العدلي والتشريع العقاري بالمغرب ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – الرباط – ، الطبعة الأولى 2016 ، صفحة : 91 .

– (6) مرسوم رقم 378- 08- 02 صادر في 28 من شوال 1429 (28 أكتوبر2008 ) بتطبيق أحكام القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة . – (7) القانون رقم 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة ، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 124 . 01 . 1 بتاريخ 29 من ربيع الأول 1422 (22 يونيو2001 ) . – (8) القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة ، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 56. 06 . 1 بتاريخ 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006 ) ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5400 ، الصادرة بتاريخ فاتح صفر 1427 (2 مارس2006 ). – (9) الظهير الشريف رقم 1.11.179 الصادر في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نوفمبر 2011 ، صفحة : 5611 .

2020-06-02
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقاتتعليقان

  • تطوان

    للإطلاع على مجمل الرسوم والوثائق العدلية، نجد فيها مجموعة من الأخطاء الإمالائية، وجل العدول لا يفقهون في العقار سواء المحفظ وغير المحفظ….، فإن ترك عنان للعدل لتلقي جميع المعاملات إسوة بالموثق فإن مصيره السجن، ولتجنب كارثة إنسانية يستدعي تدخل قاضي التوثيق لمراقبة الوثيقة العدلية، وتضمينها من طرف النساخ حفاظا على مصالح وحقوق المواطنين وضمان الأمن التعاقدي،

  • هيام

    كاتب وباحث في المستوى
    نتمنى له كل التوفيق

عبد الرزاق امدجار