من إعداد: خديجة بوشخار.
يُعتبر الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط أحد أبرز أعمدة الأغنية المغربية الأصيلة، واسماً وازناً في تاريخ الفن الوطني، بصم الساحة الإبداعية بمسار فريد جمع بين التميز الفني والسمو الروحي. وُلد بلخياط سنة 1940 بمدينة فاس، في بيئة مشبعة بالقيم الدينية والثقافية، وهو ما انعكس مبكراً على اختياراته الفنية وشخصيته الإنسانية.
برز نجم عبد الهادي بلخياط خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث استطاع أن يفرض أسلوبه الخاص بفضل خامة صوتية قوية وأداء رصين، جامعاً بين الطرب المغربي الأصيل والتجديد الموسيقي الهادئ. وقد قدّم خلال هذه المرحلة أعمالاً خالدة ما تزال راسخة في الوجدان الجماعي، وارتبط اسمه بأغانٍ ذات عمق شعري وإنساني، عبّرت عن وجدان المجتمع المغربي وهمومه وقيمه.
غير أن المسار الفني لبلخياط عرف منعطفاً استثنائياً حين اختار، وهو في أوج عطائه وشهرته، الابتعاد عن الأضواء والتفرغ للمدائح الروحية والإنشاد الصوفي. فقد آثر حياة العبادة والتأمل والانزواء، متشبثاً بالتخشع والذكر، في تجربة روحية صادقة جسّدت نضجاً فكرياً وإنسانياً نادراً. هذا القرار، الذي شكّل حدثاً بارزاً في الوسط الفني، عزّز مكانته الرمزية، وجعل منه نموذجاً لفنان اعتبر الفن رسالة أخلاقية قبل أن يكون مجالاً للشهرة.
ورغم ابتعاده عن الساحة الفنية لسنوات طويلة، ظل اسم عبد الهادي بلخياط حاضراً بقوة في الذاكرة الوطنية، تستعاد أعماله في المناسبات الكبرى، وتُستحضر تجربته كإحدى العلامات المضيئة في تاريخ الأغنية المغربية، بما تحمله من أصالة ورقي وصدق فني.
وفي سياق متصل، يمرّ الفنان عبد الهادي بلخياط حالياً بوعكة صحية استدعت نقله إلى المستشفى العسكري بالرباط، حيث يرقد بقسم العناية المركزة تحت إشراف طاقم طبي مختص. وقد أثار هذا الخبر موجة واسعة من التعاطف في الأوساط الفنية والثقافية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد كبير من الفنانين والمواطنين عن تضامنهم ودعواتهم الصادقة له بالشفاء العاجل، تقديراً لمساره الإبداعي ومكانته الرفيعة في قلوب المغاربة.
إن الحديث عن عبد الهادي بلخياط هو حديث عن فنان استثنائي، جمع بين وهج الإبداع ونبل القيم، وترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن المغربي، ليظل اسمه مقروناً بالأصالة، والالتزام، والسمو الإنساني.