إعداد:خديجة بوشخار.
مع اقتراب عيد الأضحى يعود الجدل حول كلفة الأضحية إلى صدارة اهتمامات الأسر المغربية، غير أن النقاش تجاوز حدود الموسمية ليتحول إلى سؤال أعمق حول قدرة المواطن على مواكبة تحولات السوق دون التخلي عن تقليد ديني واجتماعي متجذر.
الملاحظ خلال السنوات الأخيرة أن أسعار الأضاحي عرفت منحى تصاعديا جعل اقتناء رأس متوسط الوزن يتطلب ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف درهم في المدن، وأرقاما أعلى في بعض الأسواق. هذه القفزة لم يقابلها تحسن مماثل في مستوى الأجور أو القدرة الشرائية، مما وضع فئات واسعة من الموظفين والعمال المياومين والمتقاعدين أمام معادلة صعبة. فإما اللجوء إلى الاستدانة لتوفير الأضحية، وإما الامتناع عنها وما يرافقه من حرج أسري واجتماعي. والنتيجة أن شريحة غير يسيرة من المغاربة باتت تُقصى سنويا من ممارسة الشعيرة، لا تقصيرا في الالتزام الديني، بل عجزا أمام منطق الأسعار.
ولعل ما زاد من تقاقم الوضع هو تغير بنية السوق نفسها. فالفلاح المربي لم يعد الفاعل الوحيد في حلقة البيع، إذ دخل على الخط وسطاء يعرفون بـ”الشناقة” يشترون القطعان قبل أيام معدودة من العيد ويعيدون طرحها بهوامش ربح مرتفعة دون أن يتحملوا كلفة التربية أو مخاطرها. هذا التداخل قطع الصلة المباشرة بين المنتج والمستهلك، وأوجد طبقة تضخيم اصطناعي للأسعار لا تستند بالضرورة إلى الكلفة الحقيقية للإنتاج. وهكذا تحولت أسواق الماشية في كثير من الأحيان إلى فضاءات مساومة قاسية تتحكم فيها المضاربة الموسمية أكثر مما يتحكم فيها العرض والطلب.
وهنا يبدو أن الانعكاس لم يعد اقتصاديا فحسب، بل امتد إلى البعد الرمزي للمناسبة. فالشاب الذي يدخر أشهرا ليشتري أضحية لوالديه، والأم التي تسعى لإدخال الفرح على أبنائها، كثيرا ما يصطدمان بأرقام تفوق طاقتهما وتفرغ العيد من معناه. حتى القادرون على الشراء يعبرون عن شعور بأنهم يُعاملون كفرص للربح السريع لا كزبناء عاديين. وبذلك يفقد العيد جزءا من بعده التكافلي ويتحول إلى مناسبة توتر وقلق مالي داخل البيت المغربي.
إن ما يطلبه المواطن اليوم لا يتعلق بإلغاء الشعيرة أو التقليل من شأنها، بل بإعادة الاعتبار لمعناها الاجتماعي والروحي من خلال ضبط مسارات التسويق وضمان وصول المنتج من المربي مباشرة إلى المستهلك. فاستمرار الوضع على حاله ينذر بتحول عيد الأضحى من رمز للتضامن إلى مؤشر على الاختلال، وهو ما يضع السؤال على طاولة السياسات العمومية: كيف يمكن إعادة التوازن بين قداسة المناسبة ومنطق السوق دون أن يدفع المواطن الثمن وحده.