إعداد: خديجة بوشخار.
حين تختار السينما المغربية منطقة من مناطق المغرب لتكون فضاءً لتصوير عمل تاريخي، فإن الكاميرا لا تلتقط المشاهد والصور فقط، بل تمنح المكان فرصة نادرة ليعيد تقديم نفسه من خلال ذاكرته ومؤهلاته الطبيعية والتاريخية. ومن هذا المنطلق، تكتسب الالتفاتة السينمائية إلى منطقة أولاد زيدوح بإقليم الفقيه بن صالح، وبالخصوص فضاء ملتقى الوديان بأولاد علي الواد، بجماعة برادية، أهمية تتجاوز حدود تصوير فيلم تاريخي، لتشكل لحظة رمزية تعيد توجيه الأنظار نحو أرض ذات تاريخ عريق ومعالم ومواقع تختزن جزءاً من ذاكرة المنطقة.

ويأتي اختيار هذه الربوع لتصوير مشاهد من الفيلم التاريخي «ممر السلاطين» ليؤكد أن المجال المحلي يمكن أن يتحول إلى فضاء للإبداع الفني حين تتوفر فيه مقومات الطبيعة والتاريخ والخصوصية الجغرافية. فهذه الأرض، الممتدة في محيط وادي أم الربيع، ليست مجرد خلفية لمشهد سينمائي، وإنما مجال ارتبط عبر الزمن بحركة الإنسان والتنقل والتواصل، وظلت ملامحه شاهدة على تاريخ محلي يستحق أن يحظى بمزيد من التعريف والتوثيق والتثمين.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الالتفاتة السينمائية تكمن في كونها تضع المنطقة أمام فرصة لإعادة اكتشاف ذاتها، وإعادة تقديم صورتها خارج حدود المعرفة المحلية. فالمشهد الذي تلتقطه الكاميرا يمكن أن يصل إلى جمهور واسع، ويجعل من الموقع الذي كان مجهولاً بالنسبة إلى كثيرين فضاءً يستحق الزيارة والاكتشاف. ومن هنا، فإن حضور السينما بأولاد زيدوح ومحيطها يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً للترويج الترابي للمنطقة ولإقليم الفقيه بن صالح عموماً.

كما أن هذه المبادرة تحمل بعداً اقتصادياً واجتماعياً لا ينبغي الاستهانة به، لأن تثمين التاريخ والمواقع الطبيعية لا ينفصل عن إمكانات خلق دينامية اقتصادية جديدة. فالمواقع التي تستقطب الإنتاجات السينمائية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى وجهات للزوار والمهتمين بالتصوير والتاريخ، كما يمكن أن تشكل مناسبة لتطوير السياحة القروية والثقافية، وتشجيع المنتوجات المحلية والحرف والخدمات المرتبطة بالزوار، وفتح فرص جديدة أمام الشباب والفاعلين المحليين.
ومن هذا المنظور، فإن تصوير «ممر السلاطين» يمكن أن يكون أكثر من محطة فنية عابرة إذا تم التعامل معه باعتباره فرصة للترافع من أجل تثمين المؤهلات التاريخية والطبيعية للمنطقة. فالمطلوب أن لا تنتهي الحكاية بانتهاء التصوير، بل أن تتحول هذه الالتفاتة إلى حافز لتوثيق ذاكرة أولاد زيدوح ومحيطها، والتعريف بمواقعها التاريخية، وإدراجها ضمن برامج الترويج الثقافي والسياحي، وتشجيع المزيد من الأعمال الفنية والسينمائية على اكتشافها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنسبة إلى إقليم الفقيه بن صالح، الذي يتوفر على مجالات قروية وطبيعية وتراثية قادرة على أن تشكل رصيداً مهماً في بناء صورة ترابية أكثر جاذبية. فالتنمية اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالبنيات والتجهيزات، وإنما أصبحت أيضاً رهينة بقدرة المجالات على تقديم قصتها، وإبراز هويتها، وتسويق مؤهلاتها واستثمار ذاكرتها في بناء مستقبلها.
كما أن إعادة الاعتبار إلى التاريخ المحلي من خلال السينما والفنون يمكن أن يكون لها أثر اجتماعي وثقافي مهم، خصوصاً لدى الأجيال الشابة، التي تحتاج إلى اكتشاف تاريخ المناطق التي تنتمي إليها، ومعرفة قيمة المواقع التي تحيط بها، وتحويل الذاكرة المحلية من مجرد حكايات متداولة إلى رصيد ثقافي قابل للتوثيق والاستثمار والتعريف.
إن الكاميرا التي وصلت إلى أولاد زيدوح لا تصور فقط أحداث «ممر السلاطين»، وإنما تلتقط صورة لمنطقة تستحق أن تكون حاضرة في المشهد الثقافي والسياحي والتنموي. وهي بذلك تفتح نافذة على إمكانات يمكن أن تخدم الشأن المحلي، متى ما جرى استثمار هذا الحضور السينمائي في إطار رؤية متكاملة تجعل من التاريخ والطبيعة والثقافة عناصر للتنمية.
ومن هنا، فإن الالتفاتة السينمائية المغربية إلى هذه المنطقة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها رسالة واضحة مفادها أن أماكن كثيرة خارج مراكز المدن الكبرى تختزن من الجمال والتاريخ ما يؤهلها لتكون فضاءات للإبداع والإنتاج الثقافي. وأولاد زيدوح، بما تحمله من ذاكرة ومؤهلات، تستحق أن تتحول من مجرد موقع احتضن تصويراً سينمائياً إلى عنوان دائم للتعريف بتاريخ المنطقة وإمكاناتها.
إن «ممر السلاطين» قد يكون عملاً فنياً يروي جزءاً من تاريخ المغرب، لكن حضوره في هذه الربوع يمكن أن يفتح حكاية أخرى موازية؛ حكاية منطقة تسعى إلى استعادة مكانتها، وإلى تحويل تاريخها إلى مصدر فخر، ومؤهلاتها الطبيعية إلى فرصة، وصورتها السينمائية إلى جسر نحو السياحة والثقافة والاستثمار والتنمية.