في الذكرى الأولى لرحيل لإنسان متعدد صدقا وصفاء عملا وحيوية وإيثارا وطاقة من الحب لا تنضب. المرحوم الأستاذ عسو الغزيل بن زايد بن باسو.

آخر تحديث : الجمعة 12 فبراير 2021 - 4:01 مساءً
ماروك نيوز / مراكش.

في كل منطقة وفي كل بلدة، يبرز من أهلها أشخاص يتفردون عن غيرهم بشكل طبيعي غير متصنع ولا منفوخ فيه، بخصائص تلازمهم قيد حياتهم، وتبقى في صدور الناس حتى بعد رحيلهم عن هذه الدنيا. غير أن ما يبدو غير مستساغ، وما درجنا عليه في سلوكنا العام الذي ينزع نحو الجحود، هو أننا لا نمتلك الجرأة اللازمة لترجمة ما نشعر به ونحسبه لذلك الشخص، إلى سلوك ملموس للاعتراف بشكل من الأشكال في حياة ذلك الشخص، ليس لذاته فحسب، ولكن لترسيخ فضائل نقل القيم الجميلة إلى من يعايشه من الأجيال ومنها على وجه الدقة الجيل الذي عاش معه ولم يكتب له أن يعرفه ويتعرف إليه وعليه.. في بومالن دادس التي تعنينا اليوم، ونحن نخلد الذكرى الأولى لواحد من رجالاتها المناضلين بالمعنى الواسع للكلمة المرحوم عسو الغزيل، فإننا نقدم نموذجا متفردا لرجل خدم بلده وبلدته مسقط رأسه، بطريقته الخاصة وبرأسماله اللامادي الخاص، بحب وإيثار وصمت دون ضجيج ودون يافطة ودون طموح شخصي و دون بحث عن مجد أو عن مكسب مادي وخلافه.. فإذا كانت صورة الفاعل المدني اليوم في الحقل الاجتماعي، مرتبطة بما سيحصل عليه من تعويض ودعم من صنابير الريع المتدفقة من عديد من المؤسسات، وإذا كان الفاعل إياه يفتح عينيه عند استيقاظه بالدعاء، لييسر له الله سبيل الحصول على ما يعوض خدماته الاجتماعية إن كان له وجود حقيقي، فإن الفقيد عسو كان شخصا مميزا، بل كان كتلة من الزهد النادر، جعلته فيما قد يعتبره البعض سذاجة أو فيما يعتبره البعض الآخر ضربا من الادعاء غير الممكن، حيث إنه، حين كان يستيقظ من النوم ويؤدي واجباته الدينية، يدعو دعاءا غريبا في هذا الزمن المغربي الموبوء بقيم الفردانية والجري وراء المنافع الشخصية، حيث كان يقول بلكنته الأمازيغية: الله يجيب لينا شي حد نقدرو نساعدوه على حل شي مشكلة ديالو).). لا غرو أن الفقيد كان مؤسسة جمعوية واجتماعية بمفرده، نال حب الناس وحظوة وشرف نظافة اليد ونقاء الذمة وأنفة الأصلاء والتفاني الذي لا ينقطع ولا يرجى من ورائه جزاء ولا شكر، في تقديم الخدمة والعون لمن هو في حاجة إليها من سكان بلدته بومالن دادس. ففي الشأن الحقوقي والإنساني مثلا، ساهم المرحوم عسو في حل عدد كبير من المشكلات الاجتماعية لأبناء وأرامل المهاجرين والمتعلقة بمستحقاتهم المالية المترتبة على دول المهجر لاسيما فرنسا. ويشهد له المعنيون ممن تكللت على يديه مساعيه في استرداد حقوقهم الضائعة عن جهل وعدم دراية بالسبل القانونية الواجب اتباعها، أو بسبب اعتقاد البعض منهم أن تلك الحقوق المستحقة، صارت في حكم العدم. وكل واحد من بني زمنه في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، كرجل تعليم، يعي أنه ليس مجرد موظف يقوم بعمل ليتحصل لقاءه مرتبا في آخر الشهر، بل هو رجل تربية وتعليم حامل لقضية المساهمة في التنشئة الاجتماعية من داخل أسوار المدرسة ومن خارجها. فقد أسس وترأس في البلدة جمعية دادس الرياضية التي ساهمت في تنشيط بطولات القسم الوطني الثالث لكرة القدم كما أسس ناديا للثقافة (كان مقره الوقاية المدنية حاليا)، أنشا فيه بمعية أفراد مكتبه ما يتطلبه الفعل الثقافي في معناه العام من مكتبة ووسائل الترفيه الرياضية والتربوية، إضافة إلى إشرافه وتنظيمه لعدد من العروض والندوات والأنشطة المختلفة كالسهرات الفنية والمسرحية. هذا المسار الموجز لهذا المثال الإيجابي لمواطن فقدت فيه البلدة في مثل هذا اليوم الثاني عشر من شهر فبراير من السنة المشؤومة المنصرمة 2020 واسمه عسو الغزيل بن زايد بن باسو، سيجد له رافعاته في المسار المهني المتميز للفقيد الذي نال تقدير واعتزاز تلامذته وزملائه ورؤسائه في الأسلاك التعليمية التي اشتغل بها والمهام التربوية التي أسندت إليه. ولد المرحوم عسو ببومالن سنة 1945، والتحق بالمدرسة الابتدائية سنة 1954، بعدها تابع تعليمه الثانوي/ الإعدادي بثانوية وارزازات من 1960 إلى 1963. ولما لم يتوافق التعليم التقني الموجه إليه بالثانوي بقدراته وإمكانياته في مجال آخر، التحق بالمدرسة الإقليمية للمعلمين بمراكش (الشعبة المزدوجة) وقضى بها موسم 1963/1964. بعد تخرجه، سيعين بمدرسته الأم ببلدته بومالن، ولاحقا سيلتحق بالمدرسة الإقليمية للمعلمين بورزازات بعد إحداث الشعبة المزدوجة، وسيعمل بها لكن هذه المرة كمعلم مطبق اعتبارا لمعيار الأهلية والكفاءة اللتين كانتا صفتين ملازمتين لشخصه سواء في مساره التعليمي أو المهني. وعندما نعلم أنه كان معلما للمستوى الخامس أو ما كان يسمى بقسم الشهادة في ذلك الزمن الذي يتحسر عليه جيل الأمس، فإننا ندرك أن للرجل باعا وقدرة في صناعة وتأهيل تلاميذ سيجتازون امتحانا كانت له قيمته الاعتبارية في المجتمع آنذاك. ما راكمه الفقيد من خبرة ومراس في مجال التربية والتعليم كممارس مباشر بالقسم، سيفرض على المسؤول الأول بالنيابة الإقليمية ـ نظرا للخصاص الذي تعرفه هيئة التفتيش والمراقبة التربوية ـ أن يكلفه بتلك المهمة، حيث عين بدائرة بومالن كقائم مقام مفتش لمدة سبع سنوات من 1973 إلى 1980، ساهم خلالها إلى جانب التأطيرالتربوي، في خلق مركزين للامتحان بكل من أمسمرير وإكنيون، كما اقترح أن تحدث إعداديتان بالقريتين سالفتي الذكر. بعدها سيلتحق بمجال الإدارة التربوية الذي اشتغل به بداية مديرا بمدرسة غسات على وادي أزركي في اتجاه دمنات من 1980 إلى 1982، ثم مدرسة خميس دادس (سيدي بوحيى) تسع سنوات من 1982 إلى 1991، وسينهي مهامه التربوية التعليمية بشكل نهائي، بنفس مدرسته الأم بومالن دادس والتي تحمل حاليا اسم مدرسة عمر بن الخطاب حيث سيحال على التقاعد في الموسم الدراسي 2005/ 2006. يحق له ولأبنائه ولجيرانه وأهله وفي مقدمتهم أخيه المؤطر التربوي الأستاذ أحمد الغزيل وزملائه في العمل القدامى المتوفين أو الباقين على قيد الحياة ومعارفه في كل الربوع المجاورة لبومالن دادس و غيرها، أن يفخروا به و يرددوا ذكراه صبحا وعشية، ويحق له وهو الراقد تحت الثرى، أن يطمئن لنفسه ولما قدمت يداه، لأنه قال كلمته ورحل، ولأنه ساهم بقدر قل أو كثر لفائدة بلدته وأهلها.. على روحه الطاهرة كل الرحمات.

عبد الكريم التابي

2021-02-12 2021-02-12
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عبد الرزاق امدجار