تحت شعار “التدبير الاستراتيجي للتراب: رهانات وتطلعات”، احتضنت رحاب كلية الاقتصاد والتدبير بكلميم فعاليات المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمته الكلية بشراكة مع المركز الأفرومتوسطي للتفكير والدراسات القانونية والسوسيواقتصادية، وذلك على مدى يومي 16 و17 ماي 2025.
شهد هذا الحدث العلمي الهام مشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين المغاربة والأكاديميين الأوروبيين والعرب، فضلاً عن ممثلين عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس وجهة كلميم واد نون، الجهات الداعمة والفاعلة في تنظيم هذا الملتقى الفكري.

وقد شكل المؤتمر منصة حيوية لتبادل الخبرات والمعارف حول أهمية التدبير الاستراتيجي للتراب كمنهج وموضوع، حيث استعرضت مداخلات متنوعة إعداد التراب من زوايا متعددة شملت التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا والسياسة والتقنية والقانون وغيرها من المجالات ذات الصلة.
ودعا المؤتمر إلى ضرورة استحضار دورة السياسات العمومية في إعداد التراب ومسار التنمية، والعمل على تجويد تدبير العلاقات بين مختلف الفاعلين المعنيين بإعداد التراب، من خلال تبني أجندة مؤسساتية ترابية واضحة المعالم.

كما أوصى المشاركون بضرورة الارتقاء بمساطر إبرام الصفقات العمومية وتحيين النصوص التنظيمية وملاءمتها مع المستجدات، واستثمار الدور المحوري للإعلام في إنجاح التدبير الترابي والشأن العام، بالإضافة إلى تحسين توظيف الاستثمار في المجال الرياضي لتعزيز التقدم التنموي والاقتصادي والاجتماعي. ولم يغفل المؤتمر أهمية تعزيز آليات ضمان قيم التنوع الثقافي والحقوقي وخصوصية الإنسان والمجال في صلب عمليات التدبير الترابي.
وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، أكد المؤتمر على ضرورة مواكبة هذه الثورة التكنولوجية في تدبير التراب وتأهيل مختلف الفاعلين من إدارة وموظفين ومواطنين للتعامل مع أدواتها، مع استهداف تحقيق الملاءمة بين التكلفة المائية والاقتصادية في إطار السياسات العمومية الترابية والبرامج التنموية.

ويُذكر أن فعاليات المؤتمر الدولي توزعت على جلسة افتتاحية وثماني جلسات علمية ثرية، بالإضافة إلى جلسة ختامية تم فيها تلاوة التوصيات والمقترحات. وقد جاء هذا الحدث في ظل تحولات عميقة ومتسارعة يشهدها العالم على مختلف الأصعدة، مما يفرض تحديات جديدة على مفهوم وأليات تدبير التراب.
ووفقاً لتوطئة المؤتمر، لم يعد “التخطيط وحده حلاً سحرياً” لمواجهة التحديات المتزايدة التي تطرحها ديناميكية المجتمعات المعاصرة والتحولات العالمية المتسارعة. بل يستلزم الأمر “التقاء التشخيص الدقيق والتواصل الفعال والتمويل المستدام” كركائز أساسية لضمان تحقيق تطلعات المجتمعات وأولوياتها التنموية، مع التأكيد على ضرورة أن تكون الأهداف المسطرة واقعية وقابلة للتنفيذ ضمن أطر زمنية محددة.
هذا التحول في المفهوم يعكس إدراكاً متزايداً لتعقيد قضايا التراب وتشابك أبعادها المختلفة، مما يستدعي مقاربة شمولية تأخذ في الحسبان تفاعلات هذه الأبعاد وتأثيرها المتبادل على مسارات التنمية. وقد شكلت هذه الرؤية المتكاملة محوراً أساسياً للنقاشات والمداخلات التي قدمها الخبراء والأكاديميون المشاركون في المؤتمر، والذين أكدوا على ضرورة تجاوز النظرة التجزيئية لتدبير التراب واعتماد استراتيجيات بعيدة المدى تستشرف المستقبل وتستجيب لتطلعات الأجيال القادمة.
وأكدت الوثيقة التأطيرية للمؤتمر على الدور المحوري للتراب كمحرك رئيسي لتحقيق التنمية الشاملة ومحطة التقاء لكافة السياسات العمومية والترابية. غير أن هذا الدور الحيوي يواجه تحديات متعددة ومتنوعة تحمل في طياتها رهانات مستقبلية كبرى تستوجب بلورة أنماط جديدة ومبتكرة لتدبيره بالشكل الأمثل وتعزيز تنافسيته، وذلك بهدف الاستجابة لانتظارات وتطلعات الساكنة.

وقد استعرضت الوثيقة أبرز هذه التحديات التي تكاد تطال مختلف جوانب الحياة المجتمعية، بدءاً من التوسع الحضري المتسارع الناتج عن النمو السكاني المضطرد والهجرة المكثفة من المناطق الريفية نحو المدن، وما يترتب عن ذلك من ضغوط على البنية التحتية والموارد. كما تم التأكيد على خطورة التغيرات المناخية وتأثيرها العميق على تدبير التراب من خلال الظواهر الجوية القصوى وارتفاع منسوب سطح البحر وتدهور الأراضي.
ولم تغفل الوثيقة الإشارة إلى التفاوتات الاجتماعية المستمرة التي تتفاقم في بعض المناطق، بالإضافة إلى التهديدات البيئية المتزايدة مثل تلوث الهواء والماء والتربة، وفقدان التنوع البيولوجي واستنزاف الموارد الطبيعية بشكل غير مستدام.
هذه التحديات المتشابكة والمتداخلة تستلزم تضافر جهود مختلف الفاعلين وابتكار حلول مستدامة تضمن تحقيق تنمية ترابية متوازنة وعادلة، تأخذ في الاعتبار البعد البيئي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتستجيب لطموحات الساكنة في تحقيق جودة الحياة والرفاه المستدام.

كما أوضح المؤتمر على أن الحكامة الرشيدة تُعد عنصرا ضروريا لتدبير التراب بشكل فعال، إلا أنها غالبا ما تواجه تحديات مثل الفساد وعدم الشفافية وضعف المشاركة العامة. وهو ما يستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة لتعزيز مبادئ الحكامة الرشيدة وضمان مشاركة جميع الجهات المعنية في صنع القرار.
وفي ختام فعالياته، خلص المؤتمر إلى جملة من التوصيات الهامة التي تؤكد على ضرورة تبني مقاربة حديثة وناجعة لتدبير التراب، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والسيكولوجية. كما شدد المشاركون على أهمية معالجة قضايا التغيرات المناخية والتهديدات البيئية، والسعي نحو تحقيق التنمية المستدامة بتكامل بين الدولة والجماعات الترابية، مع تفعيل آليات التحسين والتقييم لتصاميم التهيئة وبرامج التنمية الجهوية.