متابعة: خديجة بوشخار.
في مشهد اختلطت فيه الرياضة بالإرادة، وتحول فيه خط الوصول إلى رسالة إنسانية عميقة، خطف محمد، الرجل الذي تجاوز عمره الثمانين سنة، الأنظار خلال فعاليات «سباق المهاجر» بمدينة الفقيه بن صالح، المنظم احتفاءً باليوم الوطني للمهاجر، ليؤكد أن الرياضة ليست حكراً على الشباب، وأن العزيمة الصادقة قادرة على كسر الحواجز التي يفرضها العمر.
لم يكن حضور محمد إلى مضمار السباق مجرد مشاركة عابرة، ولا بحثاً عن ميدالية أو منصة تتويج، بل كان أشبه بموعد مع الذات، ووقفة يقول من خلالها للجميع إن الإنسان يستطيع أن يظل فاعلاً ومقبلاً على الحياة مهما تقدمت به السنون.
محمد، أب لعشرة أبناء وجد لـ22 حفيداً، حمل معه إلى ساحة السباق تجربة جيل مغربي أصيل، جيل تربى على الصبر والعمل وتحمل المسؤولية، لكنه اختار هذه المرة أن يترك بصمته بطريقة مختلفة: بخطوات ثابتة وسط عدائي السباق، وبروح شابة لا تعترف بالأرقام التي تسجلها عقارب الساعة.
وبينما كان المتسابقون يتنافسون على المراتب والأزمنة، كان محمد يخوض سباقاً من نوع آخر؛ سباقاً مع الصورة النمطية التي تربط الرياضة بمرحلة الشباب، ومع الاعتقاد بأن التقدم في السن يعني بالضرورة الانسحاب من الحياة العامة والاكتفاء بدور المتفرج.
وجوده في المضمار كان في حد ذاته انتصاراً.
فالرجل الذي تجاوز الثمانين لم يأتِ ليقول إنه الأقوى أو الأسرع، وإنما جاء ليقول إن الاستمرار في الحركة، والحفاظ على الإرادة، واحترام الذات، والرغبة في إثبات القدرة على العطاء، كلها قيم لا يحددها العمر.
وفي هذا الحضور الاستثنائي، بدا «سباق المهاجر» أكبر من مجرد تظاهرة رياضية؛ فقد تحول إلى فضاء تلتقي فيه الأجيال، وتُحتفى فيه قيم المشاركة والمواطنة والانتماء، ويجد فيه كل مشارك مساحة لإثبات ذاته بطريقته الخاصة.
أما محمد، فقد كتب لنفسه حكاية مختلفة داخل هذا السباق. حكاية رجل اختار أن يواجه المسافة بخطواته، وأن يجعل من تقدمه في العمر دافعاً لا عائقاً، وأن يبعث برسالة بسيطة وقوية: لا توجد سنّ للتحدي، ولا عمر محدد للرغبة في الحياة.
لقد أثبت هذا الرجل المغربي الأصيل أن الرياضة يمكن أن تكون أيضاً مدرسة في الإرادة، وأن الفوز الحقيقي لا يُقاس دائماً بعدد الثواني أو بمكان الوصول، وإنما أحياناً بمجرد امتلاك الشجاعة للوقوف عند خط الانطلاق.
وفي زمن يحتاج فيه المجتمع إلى نماذج تلهم الأجيال، جاءت مشاركة محمد لتمنح «سباق المهاجر» صورة إنسانية استثنائية، وتذكر الجميع بأن العمر قد يغيّر ملامح الإنسان، لكنه لا يستطيع وحده أن يطفئ شغفه بالحياة.
محمد لم يكن أكبر المشاركين سناً فحسب؛ بل كان واحداً من أكثرهم قدرة على تحويل مشاركته إلى رسالة.
رسالة مفادها أن الإرادة لا تشيخ، وأن العزيمة لا تُقاس بعدد سنوات العمر، وأن الإنسان يظل قادراً على إثبات ذاته ما دام يؤمن بقدرته على الاستمرار.
وهكذا، غادر محمد مضمار السباق، لكنه ترك خلفه أثراً يتجاوز نتيجة المنافسة، وأثبت أن بعض الانتصارات لا تحتاج إلى ميدالية… لأنها تُكتب في ذاكرة الناس.