معاهدة الاستسلام وتطبيع الإمارات: أولى القبلتين وثالث الحرمين في مهب التطبيع والصراع الشيعي السني

آخر تحديث : الإثنين 17 أغسطس 2020 - 4:17 مساءً
معاهدة الاستسلام وتطبيع الإمارات: أولى القبلتين وثالث الحرمين في مهب التطبيع والصراع الشيعي السني
بقلم لحسن بلعيد

يعتبر التطبيع العلني المباشر لدولة الإمارات العربية المتحدة مع الكيان الصهيوني مؤخرا، حلقة أخرى من مسلسل السلام/التطبيع ومنعطفا خطيرا في مسار القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. هذا التطبيع الذي سيتوج بتوقيع معاهدة سلام شامل و دائم وكامل قريبا برعاية الولايات المتحدة الأمريكية. تطبيع الإمارات هذا سينضاف إلى عمليات تطبيع أخرى سبقته أقدمت عليه دول عربية وإسلامية (مصرن الأردن، وتركيا..) و بطبيعة الحال سيفتح الباب لاحقا لدول أخرى للالتحاق عاجلا بعملية التطبيع وتوقيع اتفاقات سلام مع إسرائيل هرولة دون تفكير، وبموجبه سيتهاوى المطبعون من أعلى جرف هار واحد تلو الآخر في انتحار بطريقي، بمبرر تحقيق سلام دائم للقضية الفلسطينية، وما يضمره من تصفيتها بشكل نهائي بطلب من أمريكا وإسرائيل. وأول الملتحقين ستكون دولة البحرين كما أعلن الإعلام العبري الذي أكد أن مباحثات متقدمة ودائمة تجري مع البحرين سعيًا لتطبيع العلاقات، وهذا ليس بغريب إذ هنأت البحرين دولة  الإمارات باتفاقها مع إسرائيل، معتبرةً أنّه “.. يأتي ضمن خطوات لتعزز فرص التوصل إلى السلام بالشرق الأوسط كما وصفت فيه الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي بالخطوة التاريخية..”، وفق تعبيرها كما هو منشور على بوابة وزارة خارجيتها. ولا غرابة أن يعلن كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنّ تطبيع العلاقات بين إسرائيل، والسعوديّة، “أمر حتمي”، حتى و إن لم تعلن المملكة العربية السعودية ذلك ولم تعلن أيضا موقفها من تطبيع الإمارات والتزمت الصمت. كوشنر هذا لمح إلى دول أخرى مهتمة بعملية التطبيع ومهتمة جدا بالمضي قدما فيه، استمرارا للانتحار البطريقي.

شكل التطبيع المباشر والعلني لدولة الإمارات وتوقيعها معاهدة سلام دائمة مع إسرائيل صدمة للراي العام العربية والإسلامي والمهتمين بالقضية الفلسطينية، إذ ان دولة الإمارات لم تخض حربا ضد إسرائيل حتى توقع معها معاهدة سلام، كما لا يمكنها توقيع هاته المعاهدة بالنيابة عن الفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني والأمة وكل فصائل المقاومة. وحتى إن كانت ضرورية وقدرا فإن التوقيع على الاتفاقية يكون بمراعاة مصالح كل بلد في الاتفاقية ويخضع لموازين القوى.

فإذا كانت الإمارات العربية المتحدة أعلنت أن الاتفاق التاريخي هذا سيكون في صالح القضية الفلسطينية بتعليق إسرائيل خطتها لضم أجزاء واسعة في الضفة الغربية المحتلة بموجب هذا الاتفاق ولمدة طويلة (دون تحديد هذه المدة التي تحتمل كل تأويل)، هذه العبارة توحي بهشاشة الاتفاق حتى وإن كان صائبا وهو ما أكده وزير خارجية الإمارات:” لا أفهم السياسة الإسرائيلية، إنها غاية في التعقيد لكن هذا الاتفاق التزام ثلاثي الأطراف.” فإن ما يضمر فيه هو أنه جاء برغبة من أمريكا وإسرائيل ومن موقف ضعف هذا النظام والأنظمة المطبعة سابقا ولاحقا، وهو ما أكده نتانياهو دون لف أو دوران: إنهم يطبعون معنا لأننا أقوياء وهم ضعفاء ووفق السلام مقابل السلام..” مفندا بذلك مزاعم الإمارات بخصوص أهداف التطبيع وتوقيع معاهدة السلام. وهنا نتساءل كيف يكون تصفية القضية الفلسطينية يوما تاريخيا؟

الضعف هذا تأكد دوما بإقدام دول الخليج مجتمعة على دفع “الجزية” لأمريكا ومن خلالها إسرائيل ربيبتها، عبارة عن عمولات وصفقات للأسلحة لن تستغل طبعا ضد العدو الصهيوني ولا أمريكا بل في أحسن الأحول ضد دولة عربية أخرى (اليمن) أو دعما لتنظيمات إرهابية (داعش، والنصرة،…)  مخربة للدول العربية الممانعة كسوريا والعراق وليبيا. الجزية للأسف التي كان يفرضها المسلمون على أهل الذمة لينقلب السحر على الساحر في تداول للأيام والسلطة، إذ أصبح يدفعها المسلمون السنة لأهل الذمة وإلا أمر هؤلاء بقتالهم حتى يدفعوها وهم صاغرون. هذه الجزية المدفوعة طوعا أو كرها جاءت مقابل حماية أمريكا وإسرائيل لهذه الأنظمة السنية من الخطر الشيعي الإيراني، وهو التبرير (الخطر الشيعي) الذي تلوح به دوما الأنظمة المطبعة والمرتمية في أحضان أمريكا وإسرائيل رغم الابتزاز. فزاعة الشيعة التي تتخذها هذه الأنظمة كمبرر للتطبيع والتي تهرول من أجله والتي اعتقد (الفزاعة) هي  من صنع وتخطيط إسرائيلي وأمريكي ضمانا لمصالح إسرائيل وفرض سيادتها على الشرق الأوسط وتنفيذا لمشروعها الكبير. لطالما اقتنعت الأنظمة السنية، بموجب هذا، بكون محاربة الشيعة أولى من محاربة الصهيونية وإسرائيل. رغم أن الفزع من إيران الشيعية تبدد مؤخرا بالتقاء وزير خارجيتها ونظيره الإماراتي بشكل ودي في إطار تحسين العلاقات و  بالرغم من أن الشعية المجسدة في إيران ومقاومة حزب الله تعتبر أن أولى أعدائها هو العدو الصهيوني وأمريكا وتقف الند للند لهما وتشكل ميزان ردع متكافئ على الاقل رغم تشكيك السنة في ذلك والتي طالما اعتبره إعلامها “مسرحية”… بالرغم من عدم مساومة (الشيعة) بالقضية الفلسطينية ولم تخضع للابتزاز الأمريكي والإسرائيلي ولم تدفع الجزية كما يفعل الطرف الآخر، بل تشكل أقطابها (إيران وحزب الله) غصة في حلق الكيان الصهيوني وأمريكا وكذا بعض الدول الغربية الداعمة لهما، ويفرضان شروطهما ولهما داعمين من الدول صاحبة الفيتو (روسيا والصين) بمكانتهما كدول عظمى تنتصران للدول الممانعة ولقضاياها كما سجلته مؤخرا في مجلس الأمن ضد أمريكا التي وضعت مشروعا لتمديد حظر الاسلحة المفروض على إيران والذي تنتهي صلاحيته في أكتوبر المقبل فأسقطاه بالتصويت دون الحاجة للفيتو. وهو الامر الذي لا يرقى له تصويت ومصادقة مجلس التعاون الخليجي على تمديد هذا الحظر وبالتالي يبقى دون جدوى أمام قرار لمجلس الأمن الذي صفع ترامب وأمريكا  وحلفائها الخليجيين وأبطل مشاريعهما بتقويض سلاح إيران ونزعه. وبالتالي سيستمر التهديد الشيعي الإيراني إن كان وسيبطل ادعاءات ومبررات إذعان وانبطاح دول الخليج لأمريكا وحليفتها إسرائيل ومشاريعهما وابتزازهما بمبرر الحماية من الخطر الشيعي، ولعل أكبر ابتزاز هو التطبيع وتوقيع معاهدة الاستسلام دون مقابل. فإسرائيل برعاية أمريكا خائفة على أمنها من الخطر الذي تدعي حماية دول الخليج منه، فكيف ستضمن لهؤلاء الحماية؟ ففاقد الشيء لا يعطيه لو اتعظوا.

ثمن صفقة توقيع الإمارات لمعاهدة الاستسلام مع إسرائيل سراب في سراب رغم مسوغات التوقيع. معاهدة واتفاق يغيب فيه التكافؤ ومختلة موازين القوى فيها، وهذا واضح ولن يكون إلا في صالح إسرائيل التي لن تتراجع عن ضم الضفة الغربيةـ وهذا كان واضحا على لسان نتانياهو الذي قال: لم يتم إيقاف العمل بخطة الضم وإنما تم تعليقها بناء على طلب ترامب..”. وعليه فصفقة التطبيع هذه لا تغدو أن تكون “زواج مسيار” دائم، وهو نوع الزواج المحلل عند بعض المسلمين من أهل السنة والجماعة الذي توافق الزوجة على التنازل عن بعض حقوقها الشرعية، عكس زواج” المتعة” عند الشيعة المحدد المدة وفيه مصالح مشتركة متوافق حولها. زواج المسيار هذا سارع نتانياهو للمطالبة بالتعجيل بتوثيقه وكلف لهذا الغرض رئيس مجلسه القومي وبحضور الولي ترامب رغم عدم ضروريته الآن. وأمام هذا وكثرة المطبعين من أهل السنة فإن في اعتقادي فإن تصفية القضية الفلسطينة والتفريط فيها وفي القدس سيكون في الأرجح ولا قدر الله بيد السنة.

لم تتعظ دولة الإمارات المتحدة بانتحارها البطريقي هذا وتوقيعها معاهدة سلام دائمة مع إسرائيل، لم تتعظ من دول سبقتها في التطبيع ومن المطبعين الأوائل والتي لم تجن من ذلك غير ثمار الزقوم كجزاء سنمار. فمصر كافأتها إسرائيل بدعم بناء إثيوبيا لسد النهضة ا وحمايته عسكريا وما لذلك من خطر كبير على مستقبل مصر هبة النيل مصر التاريخية والعريقة. والأردن التي كافأتها إسرائيل بالتهديد بضم غور الأردن وسرقة مياهه وأراضيه الزراعية كما سرقت مياه مصر بشكل غير مباشر وبالتالي ستسعى دولة لقيطة أسست حديثا لتركيع بلدين عريقين وتاريخيين وابتزازهما بقطرة ماء تروي عطش أهاليهما.

تعالت ردود الأفعال من توقيع اتفاق الانبطاح/ التطبيع المهزلة وأصوات منددة بهذا التحول التاريخي في مسار القضية الفلسطينية والتي أعلنت فصائلها أن: الصمت العربي والإسلامي عن الاتفاق والارتماء في حضن الصهيوني المحتل شراكة في خذلان شعبنا وأمتنا. وعلى محور المقاومة الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. كما أدانت تنظيمات سياسية ونقابية بالمغرب هذا الاتفاق وهو ما حدت حدوها أخرى جزائرية. كما أعلن عدد من الكتاب سحب ترشيحاتهم لجوائز إماراتية ومنهم من استقال من مؤسسات إعلامية وثقافية تابعة لها….

الأمين العام الاسبق لجامعة الدول العربية ووزير خارجية مصر الاسبق عمرو موسى تطرق لهشاشة الاتفاق قائلا: ” موقف وقف الضم هو موقف أمريكي معروف وسبق تبادل التطبيع والاعتراف المذكور بأسابيع موضحا أنه موقف هش. لكن اللافت للنظر في موقفه هو الإشارة أيضاك ” المهم أيضا الإشارة إلى أن سفارة الإمارات مقرها تل أبيب وليس القدس وهذا موقف..”. ونتساءل هل وجود السفارة في تل أبيب، والذي حاليا مؤقتا، بدل القدس يعتبر موقفا يشاد به؟ أمام التطبيع الكلي ؟. عمرو موسى دعا الدول العربية : أنه من المهم كذلك أن تفهم الدول العربية التي يحتمل أن تحدوا حدو الإمارات أن وقف الضم قد عولج في الاتفاق مع الإمارات، وأن عليهم إذا أقدموا على مثل هذا التطبيع أو الاعتراف أن يكون المقابل مختلفا لصالح الفلسطينيين ويحقق لهم مكاسب إضافية….. وفي كل الأحوال أدعو الجامعة العربية إلى ترتيب اجتماع عربي لمناقشة جادة لهذه التطورات وإعادة تأكيد قواعد الاشتباك معها في ضوئها…”. وهنا أتساءل عن أية مكاسب ومصالح يتحدث عنها وهو كان أمينا عاما لجامعة العربية؟ هل يتحدث عن المكاسب التي حققتها وتحققها مصر من التطبيع؟ أم مكاسب الأردن؟ وبالتالي لا إشكال له مع التطبيع فقط تحديد المكتسبات والمصالح التي لن تتم، وهو موقف غريب ليس بجديد….

قد تتعدد الأسباب المباشرة المؤدية للتطبيع والانبطاح الظاهر منها تصريحا (وقف الضم، سلام دائم،….) أو غير المباشرة كالتي تسوقها الدول المطبعة من قبيل وضع حد للخطر الشيعي وضمان حماية هذه الدول من طرف دولة تخشى الخطر نفسه.. لكن المشترك هو سعي الأنظمة الرجعية العميلة والمنبطحة لإسرائيل وأمريكا لتصفية القضية الفلسطينة والمقاومة عموما إرضاء لأولياء أمورهما حتى بعيدا عن استفتاءات شعبية لشعوبها في الأمر وللأسف عندما تكون التصفية بسبب صراع الإخوة في الدين (الشيعة والسنة) فتلك الطامة الكبرى… لكن ذلك لم ولن يشفع لهذه الأنظمة كما لم يشفع ذلك لسابقيها الذين قال فيهم الشارع بهباته كلمته ومنهم من قضى نحبه واندحر ومنهم من ينتظر.. لكن القضية قائمة وثابتة والمقاومة ستستمر.

غير معروف
EL GHAZZI

2020-08-17 2020-08-17
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

EL GHAZZI