إعداد: خديجة بوشخار.
ليست التبوريدة مجرد عروض للفرجة، بل هي ديوان مغربي مفتوح، تُكتب سطوره ببارود البنادق وصهيل الخيل، ويتوارثه الأبناء عن الآباء كوصية لا تقبل النسيان. فنٌ شعبي أصيل ظل عبر قرون يجسد قيم الفروسية والشجاعة والانضباط، ويشكل جسراً حياً يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الهوية المغربية متجذرة لا تهزها رياح العولمة ولا مسافات الاغتراب.
وفي قلب جهة بني ملال-خنيفرة، حيث يصدح صوت البارود كل موسم، برزت في السنوات الأخيرة أسماء شابة حملت المشعل وأعادت للتبوريدة ألقها. وخير دليل على هذا الزخم هو ما شهده مهرجان أولاد زيدوح في الفترة الممتدة مابين 23 و 26 أبريل الجاري، الذي تحول إلى منصات حقيقية لاكتشاف المواهب وصقلها، حيث يتألق شباب المنطقة في “المحرك” بإتقان يضاهي كبار المقادم، في صورة حية لاستمرارية هذا الإرث وتجذره في وجدان الأجيال الجديدة.
من بين هذه النماذج المضيئة، يبرز اسم المقدم كمال الحردة، ابن الجالية المغربية المقيمة بمدينة نابولي الإيطالية. شاب لم تشغله أضواء أوروبا ولا انشغالات الهجرة عن عشق تراث الأجداد. بل على العكس، حوّل الغربة إلى دافع أقوى للتمسك بهويته.
في مشاركته اللافتة بموسم أولاد زيدوح، قدم الحردة درساً في الانتماء. قاد سربته بثقة واحترافية عالية داخل المحرك، في لوحات فنية متناغمة جمعت بين دقة التسديد ووحدة الصف، عكست سنوات من الشغف والممارسة رغم آلاف الكيلومترات التي تفصله عن الوطن. كان أداؤه رسالة واضحة: المسافات لا تلغي الانتماء، والتبوريدة تسكن الوجدان أينما حلّ ابنها.

تميز كمال الحردة لم يتوقف عند حدود “المحرك”. فالخيمة التي نصبها خلال المهرجان كانت عنواناً آخر للتألق. خيمة جمعت بين أصالة التصميم المغربي وأناقة الذوق الحديث، وتحولت إلى فضاء مفتوح يجسد قيم الكرم والسخاء وحسن الضيافة التي يشتهر بها المغاربة.
لقد قدمت خيمة الحردة للزوار من أبناء المنطقة والسياح الأجانب صورة مشرقة عن “مغرب الأصول”. كانت سفارة مصغرة، نقلت نبض التراث ودفء الاستقبال المغربي إلى قلب الموسم، وتركت انطباعاً راسخاً بأن أبناء الجالية هم خير سفراء لبلدهم، ينقلون قيمه النبيلة حيثما كانوا.
إن قصة كمال الحردة تتجاوز الإطار الشخصي لتؤسس لنموذج أوسع. هو جيل من شباب المهجر يرفض القطيعة مع الجذور، ويرى في التراث اللامادي مسؤولية جماعية. هذا الجيل لا يكتفي بالاستهلاك العاطفي للتراث، بل يسهم في إحيائه وتطويره، ويقدمه للعالم في أبهى حلة متمسكا بأخلاقه العالية في التعامل مع هذا الفن والتي تظهر من خلال مقولته المعبرة :”الله يركبنا ركوب العز وينزلنا نزول الطاعة”
مشاركته، ومشاركة شباب آخرين في مواسم أولاد زيدوح ، تؤكد أن فن التبوريدة بخير. فهو لا يزال قادراً على إنتاج رموزه، واستقطاب أبنائه من كل بقاع الدنيا، ليؤكدوا في كل “طلقة بارود” أن الهوية المغربية واحدة موحدة، وأن راية الأجداد ستظل مرفوعة بسواعد الأبناء والأحفاد، في الوطن والمهجر.
إن تألق كمال الحردة هو تألق لمشروع ثقافي أكبر: مشروع الوفاء. وفاء لأرض، ولتاريخ، ولفن جعل من الفروسية أسلوب حياة.