بقلم: خديجة بوشخار.
في أواخر شهر غشت من هذه السنة، يعيش المغرب على إيقاع مناسبات تحمل في طياتها أكثر من مجرد طقوس احتفالية؛ إنها محطات تستحضر تاريخ الوطن، وتجدد قيم الانتماء والمواطنة، وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل. فمن ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت إلى عيد الشباب المجيد في 21 غشت، وصولاً إلى ذكرى المولد النبوي الشريف، تتعانق الذاكرة الوطنية مع القيم الروحية في مشهد يعكس خصوصية المجتمع المغربي وعمق هويته.
وتأتي ذكرى ثورة الملك والشعب لتفتح صفحات من تاريخ المغرب الحديث، مستحضرة ملحمة وطنية جسدت واحدة من أقوى صور التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة الاستعمار. ففي 20 غشت 1953،عندما تعرض السلطان محمد الخامس للنفي، كان ذلك الحدث الشرارة التي ألهبت المقاومة الوطنية، وحولت الدفاع عن الملك الشرعي إلى قضية وطنية جامعة، قبل أن تتوج هذه الملحمة بعودة الملك الراحل إلى أرض الوطن وانطلاق مرحلة جديدة نحو الاستقلال.
ولذلك، لا يمثل تخليد هذه الذكرى مجرد استعادة لحدث تاريخي، وإنما يشكل مناسبة لترسيخ معاني الوطنية والوفاء والتضحية والصمود والوحدة، وتذكير الأجيال الجديدة بأن الاستقلال لم يكن هبة، وإنما ثمرة تضحيات جسيمة قدمها المغاربة في مختلف ربوع المملكة.
وإذا كانت ثورة الملك والشعب تستحضر بطولات الماضي، فإن عيد الشباب المجيد، الذي يخلد في 21 غشت من كل سنة تزامناً مع ذكرى ميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يمثل مناسبة للاحتفاء بالشباب المغربي، باعتباره رصيداً بشرياً أساسياً ومستقبل البلاد وطاقتها المتجددة.
ويحمل عيد الشباب دلالة تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة في حد ذاتها، ليشكل محطة لاستحضار ما يمثله الشباب من طموح وحيوية وقدرة على الابتكار والمساهمة في بناء مغرب الغد. فالشباب ليس فقط فئة عمرية، وإنما قوة اجتماعية وثقافية واقتصادية قادرة على حمل مشعل التنمية، وتجديد روح المبادرة، والمساهمة في ترسيخ قيم المواطنة والانخراط المسؤول في خدمة الوطن.
وهنا تبرز العلاقة الرمزية العميقة بين المناسبتين؛ فـجيل الأمس ضحّى من أجل تحرير الوطن، وجيل اليوم مدعو إلى مواصلة البناء وصيانة المكتسبات، وجيل الغد مطالب بحمل المشعل إلى المستقبل. وبين هذه الأجيال يستمر المغرب في بناء ذاكرة جماعية قوامها الوفاء للتاريخ والإيمان بالمستقبل.
وتزداد هذه الأجواء الوطنية عمقاً مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي مناسبة ذات مكانة روحية رفيعة لدى المغاربة، يستحضرون من خلالها سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما تزخر به من قيم الرحمة والتسامح والتآخي والعدل وحسن المعاملة.
وتمنح هذه المناسبة الدينية المشهد الاحتفالي بعداً روحياً وأخلاقياً، إذ تتقاطع القيم التي رسختها السيرة النبوية مع قيم المواطنة التي يحتاجها المجتمع، وفي مقدمتها احترام الآخر، والتضامن، والتكافل، والإحسان، ونبذ العنف والكراهية، والعمل من أجل الصالح العام.
وهكذا، فإن تزامن هذه المناسبات وتقاربها زمنياً يجعل منها سلسلة متكاملة من الدلالات: ثورة الملك والشعب ذاكرة للكفاح والتضحية، وعيد الشباب رمز للأمل والمستقبل، والمولد النبوي مناسبة لاستحضار القيم الروحية والأخلاقية. وهي عناصر تلتقي جميعها في هدف واحد يتمثل في بناء المواطن المغربي المعتز بوطنه، المتمسك بثوابته، والمنفتح على المستقبل.
كما أن الاحتفال بهذه المناسبات يشكل مسؤولية تربوية وثقافية تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، من أجل جعل الذاكرة الوطنية والدينية جزءاً حياً من وعي الأجيال الجديدة. فالأطفال والشباب في حاجة إلى معرفة قصة وطنهم، وفهم التضحيات التي قدمها الآباء والأجداد، والتعرف على رموز المملكة وتاريخها، وفي الوقت نفسه استيعاب القيم الإنسانية التي تزخر بها السيرة النبوية.
إن توارث الاحتفال بين الأجيال ليس مجرد استمرار لعادات وطقوس اجتماعية، بل هو شكل من أشكال صيانة الذاكرة الجماعية. فعندما يستمع الطفل إلى جده وهو يحكي عن المقاومة وثورة الملك والشعب، ويشارك أسرته في الاحتفال بعيد الشباب، ويعيش أجواء المولد النبوي الشريف، فإنه لا يتلقى مجرد معلومات تاريخية أو دينية، وإنما يتشرب تدريجياً معنى الانتماء والهوية والوفاء.
ومن هنا، تظل هذه المناسبات فرصة لإعادة تعريف المواطنة باعتبارها ممارسة يومية، وليست مجرد شعور عابر؛ فحب الوطن يتجسد في احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وخدمة المجتمع، وإتقان العمل، والتضامن مع الآخرين، والدفاع عن قيم الوحدة والعيش المشترك.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه مصادر التأثير على الشباب، يصبح الحفاظ على الذاكرة الوطنية والدينية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالأمم التي تعرف تاريخها وتعتز بثوابتها وتربي أبناءها على قيمها، تكون أكثر قدرة على مواجهة المستقبل بثقة وتوازن.
وبين 20 غشت و21 غشت وأجواء المولد النبوي الشريف، يستعيد المغرب ثلاث صور متكاملة من هويته: صورة وطن قاوم وضحى من أجل حريته، وصورة شباب يحمل طموح المستقبل، وصورة مجتمع يستمد من قيمه الدينية والأخلاقية قوة التماسك والتضامن.
إنها إذن ليست مجرد مناسبات تتعاقب في التقويم، بل ذاكرة وطن، وشباب أمة، وروح مجتمع؛ ثلاث حلقات تتصل ببعضها البعض لتصنع جسراً بين الأجداد والأبناء والأحفاد، حتى يظل حب الوطن والاعتزاز بالهوية والتمسك بالقيم النبيلة مشعلاً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.