متابعة: خديجة بوشخار.
في خطوة تعكس التحول المتزايد نحو جعل قضايا المرأة والتنمية في صلب السياسات العمومية، احتضنت قاعة الندوات بالغرفة الفلاحية ببني ملال، صباح الثلاثاء 2 يونيو 2026، أشغال الندوة التحسيسية الجهوية حول موضوع: “دور التمكين الاقتصادي في تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة”، وذلك تحت شعار “يدك فيدي نشاركو فالتنمية”، ضمن فعاليات الحملة الوطنية التحسيسية الأولى التي أطلقتها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.
هذا اللقاء، الذي نظمته المنسقية الجهوية لوكالة التنمية الاجتماعية بجهة بني ملال-خنيفرة، لم يكن مجرد محطة تواصلية عابرة، بل شكل فضاءً للنقاش الجاد حول العلاقة العضوية بين الاستقلال الاقتصادي للمرأة وقدرتها على الحضور الفاعل في الفضاء العام، سواء داخل المؤسسات المنتخبة أو الجمعيات أو مختلف مواقع اتخاذ القرار.
وافتتحت أشغال الندوة بكلمتين تأطيريتين لكل من المنسق الجهوي لوكالة التنمية الاجتماعية وممثل قسم العمل الاجتماعي بإقليم بني ملال، حيث تم التأكيد على أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بالدفاع عن حق المرأة في المشاركة، بل بخلق الشروط الواقعية التي تجعل هذه المشاركة ممكنة وفعالة، عبر تمكين اقتصادي حقيقي يفتح أمام النساء آفاق المبادرة والاستقلالية.
وشهدت الندوة مداخلات أكاديمية ومؤسساتية سلطت الضوء على التحديات البنيوية والثقافية التي ما تزال تحد من انخراط النساء في الحياة الاقتصادية والعامة. وفي هذا السياق، قدم مدير قطب الدكتوراه بجامعة السلطان مولاي سليمان قراءة تحليلية لواقع التمكين النسائي وعلاقته بالتنمية الترابية، فيما تناولت الأستاذة عزيزة خرازي، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، تأثير الصور النمطية والتمثلات الاجتماعية في تكريس الفوارق وإعاقة طموح النساء ومساراتهن المهنية.
كما قدم ممثل المندوبية السامية للتخطيط معطيات وإحصائيات محلية وجهوية عكست حجم التحديات المرتبطة بنسبة نشاط النساء ومشاركتهن الاقتصادية، مؤكداً أن نجاح أي سياسة عمومية رهين ببناء قراراتها على معطيات دقيقة وتشخيص واقعي.
ولأن التمكين الاقتصادي لا يكتمل دون آليات عملية، فقد خصص جانب مهم من الندوة لاستعراض برامج الدعم والمواكبة لفائدة النساء المقاولات والتعاونيات النسائية، خاصة بالعالم القروي، حيث قدم الأستاذ محمد فارسي، رئيس المصلحة الإقليمية للاستشارة الفلاحية ببني ملال، عرضاً أبرز فيه مختلف برامج المواكبة والتأطير التي يوفرها المكتب لفائدة النساء القرويات وحاملات المشاريع الفلاحية، مؤكداً في تصريح له أن “التمكين الاقتصادي للمرأة القروية يشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المحلية المستدامة، وأن المكتب يعمل على تقريب خدمات التأطير والتكوين والمواكبة من النساء، بهدف تعزيز قدراتهن الإنتاجية وتحسين ولوجهن إلى الأسواق وفرص الاستثمار”.
وأضاف فارسي أن تعزيز حضور النساء في سلاسل الإنتاج والتثمين الفلاحي لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة تنموية تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجهة، خاصة في ظل تنامي دور التعاونيات النسائية والمقاولات الصغرى بالعالم القروي.
ومن جهتها، أكدت الدكتورة السعدية ملكاوي، ممثلة مشروع المقاولات النسائية، في تصريح بالمناسبة، أن “التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يقف عند حدود التمويل، بل يبدأ ببناء الثقة في قدرات النساء ومواكبتهن في مختلف مراحل المشروع، من الفكرة إلى التسويق والاستدامة”. وأضافت أن العديد من النساء يمتلكن أفكاراً ومهارات واعدة، لكنهن يحتجن إلى التأطير والدعم النفسي والتقني لتجاوز الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيق اندماجهن في سوق الشغل وريادة الأعمال.
وأوضحت ملكاوي أن التجارب النسائية الناجحة التي تم تقديمها خلال الندوة تؤكد أن الاستثمار في النساء ينعكس بشكل مباشر على الأسرة والمجتمع والتنمية المحلية، داعية إلى توسيع دائرة الشراكات بين المؤسسات والجماعات الترابية والجمعيات من أجل خلق بيئة حاضنة للمبادرات النسائية.
اللحظات الأكثر تأثيراً خلال الندوة كانت تلك المرتبطة بالشهادات الحية والتجارب الواقعية، حيث تقاسمت ممثلة مقاولة “مسار المقاولة النسائية” وممثل جمعية التشارك قصص نجاح نسائية استطاعت أن تحول الفكرة البسيطة إلى مشروع منتج ومصدر للاستقلالية والحضور المجتمعي، في رسالة قوية مفادها أن المرأة المتمكنة اقتصادياً تصبح أكثر قدرة على التأثير داخل الأسرة والمجتمع والمشاركة في صنع القرار.
واختتمت أشغال اللقاء بنقاش تفاعلي موسع أفضى إلى مجموعة من التوصيات العملية، من أبرزها تعزيز التكوين المهني والمالي لفائدة النساء، وتبسيط المساطر الإدارية الخاصة بإحداث المقاولات، إلى جانب ضرورة انخراط المدرسة والإعلام في تفكيك الصور النمطية المرتبطة بأدوار المرأة، فضلاً عن تقوية الشراكات بين المؤسسات العمومية والجمعيات والقطاع الخاص لبناء منظومة داعمة للمرأة المقاولة.
وأكدت هذه التظاهرة الجهوية أن التمكين الاقتصادي للنساء لم يعد مجرد مطلب حقوقي أو شعار مناسباتي، بل أصبح مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة، قوامها إشراك كل الطاقات والكفاءات في بناء المستقبل. فمن بني ملال، ارتفعت الرسالة واضحة: لا تنمية حقيقية دون نساء قادرات اقتصادياً، ولا مجتمع متوازن دون شراكة فعلية عنوانها “يدك فيدي نشاركو فالتنمية”.