نساء من ذهب

آخر تحديث : الأحد 20 ديسمبر 2020 - 10:40 مساءً
نساء من ذهب
عمر ايت سعيد

 

اعتاد يدير الاستيقاظ باكرا كل صباح للالتحاق بعمله اليومي للتدريس بالمدرسة القروية الموجودة في الضفة الشرقية للوادي، ذلك الوادي الذي يتوسط الواحة بلونه الأزرق كثوب حرير أو كشريان يسقي الواحة ومنه تدب حياتها ورونقها. بعد أن يغادر بيته بنصف كيلومتر تقريبا يسمع من بعيد صوت عربة يدوية وهو يعلم أنه صوت العربة المهترئة التي تدفعها سيدة يتراوح سنها بين الخمسين والستين عاما. سيدة أصيلة ومحافظة ونشيطة  تلبس دوما زيا تقليديا غاية في الروعة. تلبس ما يسمى في الجنوب الشرقي ب” تشضات” بلونيها الأسود والأبيض، وكأن اللونين يحيلان على الأيام، نهار وليل، أو على الحياة، فأيامها بعضها أبيض وبعضها أسود.  بل إن الحياة مثل ماء النهر أحيانا يكون صافيا وأخرى يكون عكرا…كل أيام الأسبوع كان يدير يلتقي بها في الشارع ما عدا يوم الأحد، كانت تدفع العربة بنشاط وخفة ومرونة حيث اعتاد يدير على تحيتها كلما التقى بها، هي ترد التحية بابتسامة مشرقة ودعاء مؤثر حنون….

لكن الغريب أن يدير كان يلتقي بها صباحا قبل بزوغ الشمس ويلتقي بها كذلك قبل غروبها، والفرق بين اللقاءين، هو أنه في الصباح كان صوت العربة يسبق اللقاء وفي المساء ينعدم ذلك الصوت، كما أن العربة تكون فارغة في الصباح في حين تملؤها السيدة مساء  بصناديق أو بأكياس كبيرة كان يدير يجهل محتواها…

مرت أيام وأسابيع … فاكتشف يدير بعد فترة أن تلك المرأة الحديدية تعمل عملا مضنيا فهي ماسحة زجاج البنك وملمعة أرجاء وجنبات البناية التي تحمل بين رفوف خزاناتها أرزاق العباد.

هي سيدة صبور جدا، تعمل أكثر من طاقتها، تقضي النهار كاملا في مسح النوافذ وتنظيف الغرف إلى أن يحين وقت صلاة العصر، فتقصد السوق القريب من البنك فتملأ أكياسها بالخضر والفواكه وبعض الحشائش التي يجود بها الخضارون عليها. هي تفكر في عيش أبنائها وعلف قطيعها الصغير من الخرفان. هي نبض الحياة، مثلها مثل ذلك النهر الذي ذكرناه سلفا تعطي ولا تمل، تكد بلا كلل….

إن ما أدهش يدير في هذه السيدة هو استماتتها وصبرها وقوتها في دفع العربة الثقيلة مسافة  كيلومترين يوميا، دون عياء ولا ملل، نعم إنها  تمشي مسافة كيلومترين اثنين كل يوم ذهابا وإيابا  لكي ترعى وتعيل أبنائها الصغار. ربما لأن زوجها تحت التراب أو لكونه عاجز عن العمل فهي إذن المرأة الرجل، هي صانعة الصفاء والبهاء…

مشاهد يدير الصباحية تزيد جمالا وإيجابية كل ما التقى هذه السيدة بابتسامتها البريئة، فهو يشفق عليها ويحاول مساعدتها لكنها ترفض المساعدة والشفقة، هي تعتز بمهنتها ولها في الكبرياء نصيب، تحب ما تفعله وتفتخر به لأنها ببساطة تعيش من عرق جبينها، ماسحة الزجاج ومنظفته من الأتربة والأوساخ، هي عطر المجتمع ورحيقه،  في قرية الورود تبدع في النقاء والصفاء ولا تكترث لمساحيق الدنيا.

 

غير معروف
EL GHAZZI

2020-12-20
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

EL GHAZZI