بقلم: خديجة بوشخار.
لم تعد حرائق الصيف في المغرب مجرد أخبار موسمية عابرة، بل تحولت إلى ناقوس خطر يدق كل سنة معلناً بداية معركة جديدة بين الإنسان والنار. فمع ارتفاع درجات الحرارة، تتكرر مشاهد الدخان المتصاعد، وتلتهم ألسنة اللهب الغابات والحقول والأعشاب اليابسة، في مشهد يختزل حجم التحديات البيئية التي تواجهها المملكة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل موجات الحر وحدها هي المسؤولة عن اندلاع هذه الحرائق؟ أم أن الإنسان، بسلوكاته واستهتاره أحياناً، يظل الحلقة الأخطر في هذه المعادلة؟
صحيح أن درجات الحرارة القياسية والرياح القوية والجفاف تهيئ الظروف المثالية لانتشار النيران، إلا أن هذه العوامل الطبيعية لا تفسر وحدها الشرارة الأولى. فالنار لا تشتعل من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى سبب مباشر، وغالباً ما يكون هذا السبب بشرياً؛ عقب سيجارة ألقي دون اكتراث، أو نيران أشعلت للنزهة ثم تُركت دون إخماد، أو حرق عشوائي للأعشاب والنفايات، أو حتى أفعال متعمدة لا تزال دوافعها محل تحقيق.
ولعل ما شهده إقليم بني ملال خلال هذا الصيف يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية، بعدما تكررت حرائق المساحات الجانبية للمدينة والغطاءات النباتية المحيطة بها، إلى جانب الحريق الكبير الذي عرفته منطقة القصيبة. وكذلك حريق دوار جغو الذي تمت السيطرة عليه مساء اليوم الجمعة 24 يوليوز .
لقد أثارت هذه الوقائع تساؤلات واسعة لدى الساكنة حول الأسباب الحقيقية لتوالي هذه الحرائق في فترة زمنية وجيزة، وحول مدى ارتباطها بالعوامل المناخية وحدها، أم بوجود سلوكات بشرية غير مسؤولة تستوجب مزيداً من اليقظة والتحقيق. كما أظهرت معطيات الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن جهة بني ملال–خنيفرة جاءت ضمن أكثر الجهات تضرراً من حيث المساحات المحروقة خلال الموسم الحالي، وهو ما يعكس حجم التحدي البيئي الذي تواجهه الجهة.
ورغم ذلك، فإن من غير الإنصاف تحميل المواطن وحده مسؤولية هذه الحرائق. فالدولة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من منطق التدخل بعد اندلاع النيران إلى منطق الوقاية الاستباقية. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحرائق التي تم إخمادها، بل بقدرة المؤسسات على منع اندلاعها أصلاً.
وهذا يقتضي تعزيز المراقبة بالمناطق الغابوية وشبه الغابوية، واستعمال الطائرات المسيرة وأنظمة الرصد المبكر، وصيانة المسالك الغابوية، وإزالة الأعشاب الجافة بالمناطق المجاورة للتجمعات السكنية، وتكثيف حملات التحسيس، خاصة خلال أشهر الصيف التي تعرف إقبالاً كبيراً على الفضاءات الطبيعية.
كما أن المجتمع المدني مطالب بدوره بالخروج من دائرة ردود الفعل إلى المبادرة، عبر تنظيم حملات توعية بيئية تستهدف الأطفال والشباب ومرتادي الغابات، لأن حماية البيئة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.
ورغم ارتفاع عدد الحرائق المسجلة هذه السنة، فإن سرعة تدخل مختلف المتدخلين مكنت من الحد من اتساع رقعة العديد منها، وهو ما يعكس أهمية التنسيق بين السلطات المحلية والوقاية المدنية والوكالة الوطنية للمياه والغابات وباقي الأجهزة المتدخلة. غير أن نجاعة التدخل لا ينبغي أن تحجب ضرورة البحث في الأسباب الحقيقية لكل حريق، وترتيب المسؤوليات كلما ثبت وجود فعل إهمال أو تعمد.
إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً لا يمكن إنكاره، لكنها لا يجب أن تتحول إلى شماعة نعلق عليها كل الحرائق. فالحرارة ترفع قابلية الاشتعال، لكنها لا تشعل النار وحدها. وبين حرارة المناخ وحرارة الإهمال، تضيع سنوياً آلاف الهكتارات من الغطاء النباتي، وتتعرض الثروة البيئية لخسائر يصعب تعويضها.
لقد آن الأوان لأن نغير طريقة تعاملنا مع حرائق الصيف، فلا نكتفي بمتابعة ألسنة اللهب وهي تلتهم الطبيعة، بل نعمل على إطفاء أسبابها قبل أن تشتعل. فحماية الغابات ليست شأناً بيئياً فحسب، بل قضية تنموية وأمنية وحضارية، تعكس مدى احترام المجتمع لثرواته الطبيعية، وإيمانه بأن مستقبل الأجيال يبدأ من المحافظة على ما تبقى من خضرة هذا الوطن.