واعزيز يكتب “فقدان الأب، معيار لاكتمال الفرح أو نقصانه “

آخر تحديث : الأحد 17 يناير 2021 - 9:56 مساءً
واعزيز يكتب “فقدان الأب، معيار لاكتمال الفرح أو نقصانه “
الطالب الباحث : عادل واعزيز

رواية اختراع العزلة، للكاتب الأمريكي بول اوستر ، ترجمة أحمد العلي ، دار النشر، الطبعة الاولى 2016، دار أثر للنشر والتوزيع. أستطيع أن اصف الكتاب بأنه جميل يرتع ألما ، نعم. لكنك ستكون سعيدا على أية حال حينما تفرغ منه على الأغلب. يحكي الكاتب بضمير الغائب عن والده الملغز الذي فاجأه موته غير المتوقع ، ليتحول بول اوستر لصدفة حزينة ومريبة. ” – الابناء نيام ، إذا مات الآباء انتبهوا ! – ” كان لهذه العبارة المقتبسة صدى خلخل كل تصوراتي ومفاهيمي نحو الابوة، وقفت عندها لهنيهة لأدرك حقا أنني منتبه! منتبه لدرجة استيعابي لكل الإلكترونات المحيطة بي، مدركا للواقع وللحياة بكل تفاصيلهما المتناقضة. اختراع العزلة، ليست مجرد مذكرات عادية ، بل تأمل في طبيعة الذات وتقلباتها وصراعاتها مع الغير ، ومفارقات الخسارة والفقد. تظهر بين جنبات الرواية المفارقة العجيبة للوالد المجيد للإختباء واختراع العزلة ، يصفه قائلا: ” بقي خافيا، صانع عرائس، يحرك خيوط أناه الأخرى في الظلام ومن مكان منزو خلف الستارة.” عزلة لم يكن معناها التخفي بل التخلي ، مفتشا في جسد والده عن الأعطاب الوالدية التي يريدها ان تتنقى من الأخطاء ، بمعنى يريد أن يتحقق له القبض على أفق الأب. من الجليل يقول أن تكتب عن أبيك، لكن الأجل أن تخترعه من جديد ، ان تدعوه للمقهى وتسائله عن خياراته في حياته وخلاصات عمره، أن تكون في الثلاثين ويكون هو في الثلاثين. أعاد اوستر بناء تلك التمثلاث التي أنظر فيها كمنظار لنسق الأبوة. كأن أن أعيد إحياء أبي من جديد لألقي له : والدي العزيز الحاضر الغائب ، انا لن أخترعك من جديد ، انت موجود بالقوة بداخلي. الحب المفرط لك يضاهي حب الزهرة الذابلة للقطرة الساقطة، ولست أرى لهذا سببا أهو القرب الشديد أم هو البعد الصارم، بعد عالمي عن عالمك، لتحل الذاكرة كغرفة تجلس فيه أجسادنا. فالذاكرة في أصلها الحضرة بالقرب ، أن تظل مشدود، لا إلى الماضي وحده، إنما للحاضر وكل ما سيأتي ، كمكان يحدث فيه الأمر مرتين. فالماضي لا يجثم علينا بثقله الخام إنما بانفجاره نحو المستقبل، لتكون الذكرى ليس فقط كمناسبة استرجاع وربط الصلة ، لكن كمناسبة انفعال وتجديد للإنفصال ، لا مناسبة إحياء بل مناسبة دفن جديد. يتجلى اوستر في روايته عاريا تماما ، جعلني أشاركه حداده على والده في محاولة لتوثيق الأحداث والشخصيات واللحظات قبل هرولتها. حديثه عن الأفكار التائهة التي تنفلت منا حين نهم بكتابتها. كان قريبا مني بدرجة كبيرة ، شاركته عزاءه ورثاءه لوالده، لكني تقاطعت معه أثناء بحثه عن والده، في بحثي انا عن والدي وعن يتمي الذي شب معي منذ ردح وصرت أكبره بعامين. أقرأ وصفه لاغراض الميت واتذكر تلك التساؤلات والمخاوف التي طالما ألفيتها لتئز صدري رغبة منها للخروج، كان منها شيئا يسيرا في الدجى ولغوا عسيرا لظى. بعد ان استنفذت من بول اوستر خشيته أبان أن يقرأ تاريخ الموتى في صفحات وجوههم الباهتة. اكتب الآن و أنا مؤمن بأن اوستر ليس وحده مثيرا للشفقة لكنه تجاوز الأمر فيما بعد كما أفعل وكما سنفعل جميعا.

2021-01-17
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عبد الرزاق امدجار